تبرع الكاتب والباحث إدريس الكنبوري بأكثر من 8 آلاف كتاب من مكتبته الخاصة لفائدة الإعداديات والثانويات، لكن ما كشفه أثناء توزيع الكتب حوّل مبادرة شخصية إلى سؤال موجه مباشرة إلى وزارتي الثقافة والتربية الوطنية: كيف تصل مكتبات بعض المدارس إلى وضع «ليس لها من المكتبة إلا الاسم»، فيما تتحدث الحكومة عن تشجيع القراءة وتصرف الملايين على برامج ثقافية مختلفة؟
الكنبوري، الذي راكم خلال أكثر من أربعين عاماً مكتبة تناهز 35 ألف كتاب بالعربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية وغيرها، قال إنه قرر الاحتفاظ بالكتب ذات القيمة العلمية والتبرع بجزء كبير من الباقي للمؤسسات التعليمية.
وكتب: «لقد اكتشفت أن المؤسسات التربوية تفتقد إلى مكتبات، وبعض هذه المكتبات ليس لها من المكتبة إلا الاسم»، داعياً المثقفين إلى التبرع بكتبهم «خدمة لأبناء هذا البلد».
لكن إذا كان المثقف مطالباً بالتبرع، فماذا تفعل وزارتا محمد المهدي بنسعيد ومحمد سعد برادة؟
وزارة الشباب والثقافة والتواصل خصصت سنة 2026 ما مجموعه 8.63 ملايين درهم لدعم 240 مشروعاً، بينها 164 مهرجاناً ثقافياً وفنياً و74 تظاهرة ثقافية. كما وضعت الوزارة ضمن أهداف برنامج الدعم «التحسيس بأهمية القراءة وترسيخ عادات القراءة لدى الأطفال واليافعين»، إلى جانب «تنشيط المقاهي الأدبية».
وفي قطاع الكتاب، أعلنت وزارة بنسعيد عن توزيع 12.565 مليون درهم على 485 مشروعاً، بينها 4.788 ملايين للمشاركة في المعارض الدولية للكتاب، و4.41 ملايين لنشر الكتب، و2.282 مليون درهم لإحداث وتحديث وتنشيط 51 مشروعاً لمكتبات البيع.
وقد يكون رد وزارة الثقافة أن تجهيز مكتبات المدارس يدخل أساساً في اختصاص وزارة التربية الوطنية.
لكن هذا الجواب، إن طُرح، ينقل السؤال مباشرة إلى محمد سعد برادة.
فالوزارة أعلنت أن القراءة رافعة لتحسين التعلمات، وتحدثت عن تطوير المكتبات الصفية وتجهيز فضاءات القراءة داخل المؤسسات التعليمية، كما دخل «دعم المكتبات المدرسية» ضمن برامج وشراكات معلنة.
وهنا تصبح تدوينة الكنبوري أكثر إحراجاً للوزارتين معاً: وزارة الثقافة تخصص الملايين للمهرجانات والتظاهرات ومكتبات البيع، ووزارة التعليم تتحدث عن تطوير فضاءات القراءة، بينما يخرج مثقف بآلاف الكتب من بيته ليمنحها لمدارس يقول إن بعض مكتباتها لا تحمل من المكتبة سوى الاسم.
والكنبوري لم يقدّم في تدوينته مجرد شهادة عن رفوف فارغة، بل عاد إلى زمن كان فيه الكتاب، بحسب تعبيره، «التسلية الوحيدة»، قبل الإنترنت والفضائيات والمهرجانات، معتبراً أن جيلاً سابقاً تعلم القراءة لأن هناك من وضعه على «السكة»، ولذلك يرى أن رد الجميل اليوم يمر عبر إعادة الكتاب إلى أيدي التلاميذ.
ثم وجّه ضربة سياسية أشد، حين استعاد تحولات الفاعلين الذين ارتبطوا في ذاكرته بالقراءة والمعرفة، قائلاً: «في الإعدادي والثانوي تعلمنا القراءة على يد اليساريين الذين كانوا يؤمنون بالمعرفة ويحلمون بالثورة، حتى تحول اليسار اليوم إلى قوقعة فارغة».
ولم يستثن الإسلاميين، مضيفاً: «ثم تعلمنا على يد الإسلاميين الذين كانوا يؤمنون بالمعرفة ويحلمون بالخلافة، حتى أصبحوا اليوم مجرد كائنات انتخابية».
ومن السياسة إلى المزاج العام، اختصر الكنبوري تحوله في جملة لاذعة: «لم يعد أحد يحلم اليوم في المغرب، فالجميع مستيقظ وينتظر»، قبل أن يضيف أمله في أن يتحقق للبلد «باليقظة ما لم يتحقق له بالحلم».
الأقسى جاء في الخلاصة التي قال إنه وصل إليها بعد عقود من القراءة والتأليف: «هذا البلد ليس بلد ثقافة ولا معرفة، ولا يعطي أي اعتبار للمثقف بل يقدم الفاسدين ويؤخر الفضلاء».
وهذه العبارة تحديداً تنقل النقاش من مجرد نقص الكتب داخل مدرسة إلى سؤال أكبر عن موقع الثقافة نفسها في سلم أولويات الدولة: هل يكفي تنظيم المهرجانات والتظاهرات وإطلاق شعارات تشجيع القراءة، إذا كانت مكتبة مؤسسة تعليمية تنتظر مثقفاً ليخرج من بيته حاملاً إليها آلاف كتبه الخاصة؟
المسألة إذن ليست البحث عن الوزارة صاحبة الاختصاص فقط، بل عن حصيلة التنسيق بين وزارتين تقولان معاً إن تشجيع القراءة من أهدافهما: كم مكتبة مدرسية جُهزت فعلياً؟ كم كتاباً اقتُني لها؟ وما الميزانية المخصصة لذلك؟ وكيف يمكن الحديث عن ترسيخ القراءة لدى ملايين التلاميذ إذا ظلت بعض المدارس تنتظر تبرعات المواطنين لتملأ رفوفها؟
وبين بنسعيد الذي يوزع دعم الثقافة، وبرادة الذي يعد بتطوير فضاءات القراءة، والكنبوري الذي يحمل كتبه بيده إلى المدارس، يبقى السؤال بسيطاً:
إذا كانت الدولة تريد فعلاً جيلاً يقرأ… فلماذا تحتاج مكتبة المدرسة إلى متبرع كي تجد كتاباً؟
أما الكنبوري، فاختار أن ينهي علاقته بآلاف الكتب التي رافقته لعقود بكلمات أقرب إلى وداع زمن كامل: «وداعاً سيدتي، وإلى غير لقاء».
