بقلم: الباز عبدالإله
انتهت كأس إفريقيا للأمم للسيدات 2026، وانطفأت أضواء الملاعب وغادرت المنتخبات الـ16 أرض المملكة، لكن سؤالاً واحداً ظل معلقاً: كم أنفقنا، كم جنينا، وماذا استفاد المغرب فعلياً؟
ليست المسألة محاكمة للنوايا، بل اختباراً للنضج المؤسساتي والشفافية. فالصحافة الدولية، وعلى رأسها «The Guardian»، لم تجامل حين وضعت التنظيم المغربي تحت المجهر، مسجلة ضعف الحضور في جزء كبير من مباريات البطولة، رغم تسعير التذاكر بأسعار رمضانية تراوحت بين 20 و50 درهماً.
طرح التذاكر قبل أقل من أسبوع على انطلاق المنافسة، إلى جانب محدودية الترويج الميداني، يفتح بدوره سؤالاً جدياً حول التسويق الرياضي للبطولة، خصوصاً أن المدرجات ظلت شبه فارغة في عدد من المباريات رغم انخفاض الأسعار.
وهنا يحضر اسم فوزي لقجع، لا باعتباره مستهدفاً، بل باعتباره واحداً من أول المسؤولين المطالبين بتقديم الجواب. فالرجل يجمع بين رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ومنصب حكومي في قلب تدبير الميزانية، وهو ما يجعل سؤال الأرقام أبعد من مجرد نقاش كروي: أين حصيلة البطولة؟ وكم كلفت؟ وماذا أعادت؟
رياضياً، أنهى المنتخب المغربي المنافسة في المركز الرابع بعد خسارته أمام الجزائر في مباراة الترتيب، بعدما بلغ نصف النهائي وضمن التأهل إلى كأس العالم للسيدات 2027.
أما مالياً، فقد رفعت «الكاف» مجموع جوائز نسخة 2026 بنسبة 67 في المائة، من 3.475 ملايين دولار إلى 5.8 ملايين دولار، ورفعت جائزة البطل إلى مليوني دولار، كما خصصت 150 ألف دولار لكل منتخب مشارك.
لكن أموال «الكاف» المرتبطة بالمشاركة والترتيب تظل حساباً يخص الجامعة والمنتخب، ولا يمكن تقديمها باعتبارها العائد الاقتصادي الذي حققه المغرب من الاستضافة.
فذلك حساب آخر يرتبط بما حققته البطولة من مداخيل، وما حركته من نشاط سياحي وفندقي ونقل ومطاعم وخدمات، مقابل الكلفة اللوجستية والتنظيمية التي تحملتها الاستضافة.
ومن هنا تطرح أسئلة بسيطة ومباشرة: كم تذكرة «بِيضت» فعلياً؟ وكم بلغت المداخيل؟ وكم حركت البطولة من نشاط اقتصادي؟ وما الفارق بين ما أُنفق وما عاد بشكل مباشر وغير مباشر على الاقتصاد؟
إلى حدود المعطيات المنشورة، لا تظهر حصيلة مالية واقتصادية رسمية متكاملة تسمح للرأي العام بإجراء هذا الحساب.
ولا يعني ذلك أن المغرب خسر البطولة مالياً، كما لا يسمح بالقول إنه ربح منها. من دون أرقام منشورة، لا يمكن إثبات هذا ولا ذاك.
المفارقة أن المغرب مقبل على مرحلة إنفاق أكبر بكثير استعداداً لمونديال 2030، مع تقديرات تتحدث عن ما بين 50 و60 مليار درهم من الاستثمارات المباشرة المرتبطة بكرة القدم، إلى جانب استثمارات أوسع في البنيات التحتية.
وهنا يصبح «الكان النسوي» اختباراً مصغراً لسؤال أكبر: إذا كانت بطولة بهذا الحجم تنتهي من دون أن تظهر، حتى الآن، حصيلة مالية وإحصائية متكاملة أمام الجمهور، فكيف ستُقاس نجاعة الإنفاق الأكبر المرتبط بمونديال 2030؟
لا أحد يطلب من لقجع أن يثبت أن المغرب ربح، ولا أن يعترف بأنه خسر.
المطلوب أبسط وأجرأ: الأرقام كما هي، بلا مكياج.
استضافة البطولات بنجاح تنظيمي هي نصف الاحترافية، أما النصف الثاني والأكثر نضجاً فهو إظهار الأرقام أمام الرأي العام.
انتهت البطولة… وبقي السؤال: كم بلغت المداخيل؟
