بقلم: الباز عبدالإله
تضع معطيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي برامج تنمية الكفاءات الرقمية بالمغرب أمام سؤال لا يتعلق هذه المرة بحجم الاعتمادات أو أعداد المستفيدين، بقدر ما يتعلق بالنتائج الفعلية لهذه الاستثمارات، بعدما سجل المجلس أن المعطيات المتاحة تظل مركزة أساساً على الأموال المرصودة وأعداد المستفيدين، بينما تبقى المعرفة بأثر هذه المبادرات محدودة.
وكشف التقرير السنوي للمجلس برسم 2025 أن برنامجاً يستهدف تكوين 28 ألفاً و970 من الكفاءات الرقمية في أفق 2027، رُصدت له ميزانية قدرها 1.15 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2027، منها 750 مليون درهم مساهمة من قطاع التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، و405 ملايين درهم من قطاع الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة.
ولا يقف الاستثمار العمومي في بناء المهارات الرقمية عند هذا البرنامج، إذ يشير المجلس إلى قافلة «Coding pour tous» الموجهة لتلاميذ السنة السادسة ابتدائي، والتي استفاد منها 71 ألفاً و649 تلميذاً خلال الموسم 2025-2026، مع هدف معلن للوصول إلى 625 ألف مستفيد سنوياً بحلول 2030.
كما جرى إحداث ثلاثة فضاءات «Code 212»، فيما توجد ثلاثة فضاءات أخرى في طور الإنجاز، بهدف تقديم تكوينات إشهادية ودعم اكتساب المهارات الرقمية.
غير أن المجلس، وبعد الاستماع إلى عدد من القطاعات والمؤسسات المعنية، سجل أن هذه الدينامية ما تزال «غير مهيكلة بما يكفي»، وأن المبادرات القائمة تظل في جانب كبير منها قطاعية، تقودها جهات متعددة كل واحدة ضمن مجال اختصاصها، دون اندماج كامل في رؤية شمولية قادرة على تقوية قدرات المجتمع على التكيف والابتكار والصمود أمام التحولات الرقمية.
والأكثر إثارة أن التقرير يضع يده على فجوة التقييم نفسها، إذ يؤكد أن المعلومات المتوفرة تركز بالأساس على الوسائل المالية التي جرت تعبئتها وأعداد المستفيدين، بينما تظل المعارف المتعلقة بالأثر الحقيقي لهذه المبادرات على السلوكيات والاستعمالات والقدرات النقدية وحماية المواطنين وتقليص الهشاشة الرقمية محدودة.
ولا يعني ذلك أن المجلس خلص إلى غياب أثر هذه البرامج أو فشلها، إذ لا يقدم التقرير حكماً من هذا النوع، بل يثير تحديداً محدودية المعرفة الدقيقة بالنتائج، ويدعو إلى تطوير تقييمات نوعية أكثر عمقاً تسمح بقياس الآثار الفعلية للسياسات الرقمية على الأفراد والمجتمع.
وتكتسب هذه الملاحظة وزناً أكبر بالنظر إلى حجم الأهداف المعلنة، فحين تخصص 1.15 مليار درهم لبرنامج يستهدف تكوين قرابة 29 ألف كفاءة رقمية، يصبح النقاش أبعد من عدد المسجلين أو الحاصلين على التكوين، لينتقل إلى سؤال نجاعة البرامج والنتائج المحققة.
وهنا تطرح المعطيات أسئلة مشروعة حول ما إذا كانت هذه الاستثمارات تنعكس فعلياً على قابلية الشباب للتشغيل، ومدى ملاءمة المهارات المكتسبة مع حاجيات المقاولات والاقتصاد الرقمي، ونوعية القيمة المضافة التي تحققها الأموال العمومية المرصودة.
ويربط المجلس نجاح الانتقال الرقمي كذلك بالبعد الإنساني، منبهاً إلى أن السياسات القائمة تركز بدرجة أكبر على الجوانب التقنية والأمنية، بينما لا تحظى الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والمعرفية والسلوكية بالمكانة نفسها، سواء خلال تصميم السياسات أو عند تقييمها.
وبين 1.15 مليار درهم من الميزانية، و28 ألفاً و970 كفاءة مستهدفاً تكوينها، ومبادرات متعددة لتعليم البرمجة والمهارات الرقمية، يفتح التقرير سؤالاً مباشراً حول الانتقال من منطق إعلان الأرقام إلى منطق قياس النتائج: ما الذي تغير فعلياً في قدرات المغاربة الرقمية، وفي قابلية الشباب للتشغيل، وفي تنافسية الاقتصاد؟
ففي السياسات العمومية، لا يكفي أن يكون المليار حاضراً في خانة التمويل؛ المطلوب أيضاً أن يكون الأثر قابلاً للقياس في خانة النتائج.
