بقلم: الباز عبدالإله
تفتح الاستعدادات لإعداد التقرير الثاني للشفافية المناخية بالمغرب سؤالاً يتجاوز حجم التمويلات الدولية المعلنة إلى مسألة أكثر حساسية: هل تتوفر الدولة، في كل الحالات، على صورة مكتملة ودقيقة لما تم الالتزام به، وما صُرف، وما وصل فعلياً إلى المغرب تحت عنوان الدعم المناخي؟
دفتر شروط مؤرخ في 2 أكتوبر 2026، ومنشور على منصة «تنمية»، يكشف أن عملية إعداد المعلومات المتعلقة بالدعم المالي والتكنولوجي وبناء القدرات ما تزال تحتاج إلى استكمال معطيات وطنية غير متاحة دائماً بالقدر الكافي لدى المؤسسات المعنية.
الوثيقة لا تتحدث عن تدقيق في استعمال الأموال، ولا تقدم دليلاً على ضياع تمويلات، لكنها تكشف تحدياً مختلفاً يتعلق بصعوبة تجميع وتوحيد وتتبع المعلومات التي يفترض أن تسمح بمعرفة حجم الدعم المتوصل به فعلياً، ومصدره، وطبيعته، والفترة التي يغطيها.
ويستند دفتر الشروط إلى تجربة إعداد التقرير الأول للشفافية، داعياً إلى سد النقص في المعلومات الوطنية بالاستعانة بقواعد بيانات دولية ومصادر رسمية، مع التشديد على ضرورة التمييز بين التمويلات الموافق عليها، والملتزم بها، والمصروفة، والمتوصل بها فعلياً، وتفادي احتساب التمويل نفسه أكثر من مرة.
الإعلان عن تمويل بقيمة معينة لا يعني، بالضرورة، أن المبلغ نفسه دخل كاملاً إلى المغرب، كما أن توقيع برنامج تمويلي لا يكشف وحده حجم ما صُرف منه خلال فترة محددة، ولا الجزء المصنف فعلياً ضمن تمويل المناخ.
لذلك يصبح الفرق بين «المبلغ المعلن» و«المبلغ المتوصل به فعلياً» أساسياً عند تقييم حجم الدعم المناخي الذي حصل عليه المغرب.
وتقدم المنصة الرسمية التابعة لوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة مثالاً لافتاً.
فالمنصة تدرج برنامج «GEFF Morocco II» ضمن خانة «الدعم المالي المتوصل به»، وتصفه كخط تمويل إجمالي بقيمة 163 مليون يورو، وضعه البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بدعم من الاتحاد الأوروبي والصندوق الأخضر للمناخ، لفائدة استثمارات خضراء تمر أساساً عبر مؤسسات مالية محلية والقطاع الخاص.
غير أن الجدول المنشور للعموم لا يعرض رقماً مالياً في خانة المبلغ الخاص بالمناخ «Climate-specific Amount»، فيما تبقى خانات مرتبطة بالسنة والقيمة بالعملة الوطنية وبالدولار دون بيانات رقمية واضحة.
وتظهر المفارقة بوضوح: المنصة تعلن قيمة إجمالية للبرنامج تبلغ 163 مليون يورو، أي ما يعادل تقريباً 182 مليار سنتيم وفق سعر صرف تقريبي، وتصنفه ضمن الدعم المالي المتوصل به، لكنها لا تتيح في الخانة المالية المنشورة معرفة المبلغ المناخي المحدد الذي سُجل فعلياً ضمن التقرير.
ولا يعني ذلك أن 163 مليون يورو اختفت، ولا يثبت أن المغرب توصل بها كاملة، ولا يسمح باعتبار الرقم مبلغاً دخل مباشرة إلى ميزانية الدولة، كما لا يتيح اتهام أي جهة بسوء استعمال التمويل.
لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً حول جودة التتبع: ما القيمة التي اعتُبرت، تحديداً، دعماً مناخياً متوصلاً به؟ وكم صُرف فعلياً خلال فترة التقرير؟ وما حصة التمويل التي وصلت إلى المستفيدين النهائيين؟
المغرب سبق أن أودع تقريره الأول للشفافية لدى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في 30 دجنبر 2024، مرفقاً بجداول تتعلق بالدعم المالي والتكنولوجي وبناء القدرات.
وخضع التقرير خلال أبريل 2026 لمراجعة تقنية دولية، في مسار أعلنت السلطات المغربية أن نتائجه الأولية كانت إيجابية.
غير أن التحضير للتقرير الثاني يكشف أن الحصول على تقييم دولي إيجابي لمنظومة الشفافية لا يلغي الحاجة إلى تحسين مستوى اكتمال البيانات المالية ودقتها وقابليتها للتتبع.
فالمشكل الذي يظهر من وثائق التحضير الجديدة لا يتعلق بغياب منظومة للتقارير، بقدر ما يتعلق بقدرتها على إعطاء جواب بسيط وقابل للتحقق عن سؤال يفترض أنه بديهي: كم تلقى المغرب فعلياً من الدعم المناخي خلال كل سنة؟ ومن أي جهة؟ ولأي مشروع؟ وما حجم ما صُرف منه بالفعل؟
وتحدد الاستشارة الجديدة 9 أكتوبر 2026 أجلاً لتقديم العروض، و2 دجنبر موعداً أقصى لتسليم العمل النهائي، تمهيداً لإعداد التقرير المغربي الجديد قبل نهاية السنة.
لكن دفتر الشروط لا يكشف أسماء المؤسسات التي لم توفر معلومات مكتملة، ولا يحدد القيمة المالية للتمويلات التي ما تزال معطياتها غير مكتملة، ولا حجم الفارق المحتمل بين الأرقام الموجودة في القواعد الوطنية وتلك المنشورة لدى الممولين الدوليين.
ويصبح النقاش هنا أوسع من مجرد إعداد تقرير تقني للأمم المتحدة.
فالمغرب يضع العمل المناخي والانتقال الطاقي في صلب سياساته الاستثمارية، ويستفيد من برامج تمويل دولية بمبالغ مهمة، ما يجعل شفافية البيانات حول هذه الموارد جزءاً من حكامة التمويل العمومي وشبه العمومي، حتى عندما لا تمر كل الأموال مباشرة عبر ميزانية الدولة.
ولا يحتاج الأمر إلى اتهام أحد بإخفاء الأموال حتى يصبح موضوعاً صحفياً.
يكفي أن تكون الجهات المكلفة بإعداد التقرير مضطرة إلى البحث خارج قواعد البيانات الوطنية لاستكمال صورة التمويلات المتوصل بها، حتى يصبح السؤال عن جودة التتبع مشروعاً.
المطلوب، إذن، ليس فقط نشر القيمة الإجمالية للبرامج، وإنما توفير سلسلة معلومات تسمح بالانتقال من الرقم الكبير إلى التفاصيل: كم التزم الممول؟ كم صُرف؟ كم وصل فعلياً؟ خلال أي سنة؟ ولأي مستفيد أو مشروع؟
وتبقى الأسئلة الأكثر مباشرة بلا جواب معلن حتى الآن: ما المؤسسات التي لم توفر معلومات مكتملة؟ وما القيمة الإجمالية للتمويلات التي احتاج إعداد التقرير إلى استكمال معلوماتها من مصادر خارجية؟ وما المبلغ الذي سُجل فعلياً كدعم مناخي متوصل به ضمن برنامج «GEFF Morocco II»؟ وهل ستُحدَّث المنصة العمومية بما يسمح بتتبع الأموال من إعلانها إلى صرفها الفعلي؟
الجواب عن هذه الأسئلة هو الذي سيحدد ما إذا كانت شفافية التمويل المناخي في المغرب ستبقى مجرد استجابة لمتطلبات التقارير الدولية، أم ستتحول إلى أداة تتيح للرأي العام معرفة أين تبدأ الأموال المعلنة، وكم منها يصل فعلياً، وأين تنتهي.
