بقلم: الباز عبدالإله
رفع عبد اللطيف وهبي، وزير العدل في الحكومة المنتهية ولايتها وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، سقف مواجهته مع عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، واضعاً حداً، على الأقل من جانبه، لما تبقى من العلاقة الشخصية بين الرجلين، بعدما اختصر موقفه منه في عبارة مباشرة: «عبد الإله بنكيران لا محل له من الإعراب بالنسبة إليّ.. انتهى الموضوع».
العبارة لم تأت معزولة عن سياق عابر، بل كانت خاتمة حوار أعاد فيه وهبي فتح سنوات من الاشتباك السياسي والشخصي مع بنكيران، من معارك حزب الأصالة والمعاصرة والحريات الفردية، مروراً بمدونة الأسرة والقانون الجنائي، وصولاً إلى التطبيع والحملة الانتخابية الأخيرة.
وهبي اعتبر أن خطاب بنكيران خلال الحملة تجاوز، من وجهة نظره، حدود المنافسة السياسية المعتادة، وقال إن الأمين العام للعدالة والتنمية «لم يترك شخصاً ولا عائلة ولم يوفر احتراماً لامرأة»، قبل أن يستخدم تعبيراً لافتاً بقوله إن خطاباته أصبحت «تنقض الوضوء».
ولم يقدم وهبي حديثه باعتباره مجرد خلاف على البرامج أو الاختيارات الحكومية، بل ربطه بما يعتبره استهدافاً شخصياً تعرض له خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في النقاشات المرتبطة بمدونة الأسرة والحريات، مؤكداً أنه اختار في مناسبات عديدة عدم الرد على بنكيران بالأسلوب نفسه.
وتكشف تصريحات وهبي أن تراكم الخلافات بين الرجلين نقل العلاقة، وفق قراءته، من الخصومة السياسية التقليدية إلى مستوى أكثر شخصية، خصوصاً بعد الحملة الانتخابية الأخيرة، التي شهدت مواجهات مباشرة بين بنكيران وعدد من قيادات الأصالة والمعاصرة.
جذور الصراع تعود إلى سنوات، ففي أبريل 2023 دخل الرجلان في مواجهة علنية على خلفية مواقف وهبي المتعلقة بالعلاقات الرضائية والحريات الفردية، قبل أن يمتد الاشتباك إلى مدونة الأسرة ومشروع القانون الجنائي وعدد من القضايا ذات الحساسية السياسية والاجتماعية.
غير أن انتخابات شتنبر 2026 منحت الخلاف جرعة إضافية من التصعيد.
بنكيران كثف خلال الحملة انتقاداته للأصالة والمعاصرة وقياداته، بينما رد وهبي بعد انتهاء الاقتراع باتهامه بأن جزءاً مهماً من خطابه الانتخابي انصرف، بحسب تقييمه، إلى مهاجمة الأشخاص أكثر من عرض البدائل الاقتصادية والاجتماعية.
وهو تقييم سياسي صادر عن وهبي، وليس حكماً مستقلاً على مضمون حملة حزب العدالة والتنمية.
مدونة الأسرة ظلت واحدة من أكثر نقاط المواجهة حساسية. وهبي رفض الاتهامات التي وجهها إليه بنكيران بشأن التوجهات التي كان يرغب في تمريرها ضمن الإصلاح، مؤكداً أن إعداد النص لم يكن قراراً شخصياً لوزير العدل، وإنما جرى ضمن مسار مؤسساتي شاركت فيه جهات حكومية ومؤسسات مختصة، بينها المجلس العلمي ووزارة الأوقاف.
وبحسب رواية وهبي، فإن بنكيران أصدر أحكاماً على مواقفه قبل الاطلاع على الصيغة النهائية، وذهب إلى وصف بعض ما قيل عنه بأنه «كذب وبهتان»، مضيفاً، في واحدة من أكثر لحظات الحوار حدة، أنه سيكون «خصمه يوم القيامة».
وهذه بدورها اتهامات ومواقف صادرة عن وهبي، ولا يقدم الحوار رداً مباشراً من بنكيران على مجملها.
ملف التطبيع حضر أيضاً في السجال بين الرجلين، وهبي استحضر سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق والقيادي في العدالة والتنمية، الذي وقع بصفته رئيساً للحكومة على الإعلان الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي في دجنبر 2020، متسائلاً عن التناقض الذي يراه بين مهاجمة شخصيات أخرى بسبب مواقف أو علاقات مرتبطة بإسرائيل وبين استمرار العثماني داخل الحزب.
في المقابل، يعلن حزب العدالة والتنمية في مواقفه الرسمية الحالية رفضه للتطبيع، وجددت قيادته خلال شتنبر 2026 هذا الموقف في سياق الحرب في غزة.
لكن أحدث فصول المواجهة لم يقع داخل نقاش تشريعي أو خلال الحملة الانتخابية، وإنما امتد إلى مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة.
بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيلها، رفض بنكيران التوجه إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة لعقد اللقاء معها، مع تأكيده استعداده من حيث المبدأ للقاء رئيسة الحكومة المعينة، بينما تمحور اعتراضه حول مكان الاجتماع.
وهبي رفض بدوره الطريقة التي قدم بها بنكيران الموضوع، معتبراً أن المنصوري تستقبل قادة الأحزاب بصفتها رئيسة حكومة معينة، وأن المشاورات السياسية لا تقتصر على البحث عن شركاء لتشكيل الأغلبية، بل تشمل أيضاً الاستماع إلى الأحزاب التي قد تختار المعارضة بشأن القضايا والتحديات الوطنية.
وهنا يتجاوز الخلاف مجرد سؤال: من يدخل الحكومة ومن يبقى خارجها؟
فبنكيران أعلن تموقع العدالة والتنمية في المعارضة، بينما يؤكد وهبي أن المعارضة جزء من البناء الدستوري والسياسي ينبغي التواصل معه.
غير أن هذه القاعدة المؤسساتية لم تمنع وزير العدل من رسم خط واضح بين التواصل بين الأحزاب وبين موقفه الشخصي من الأمين العام للعدالة والتنمية.
وحين عُرضت أمامه صورة بنكيران وسُئل هل يراه «خصماً أم شريكاً»، لم يحتج وهبي إلى خطاب طويل، بل أجاب: «عبد الإله بنكيران لا محل له من الإعراب بالنسبة إليّ.. انتهى الموضوع».
العبارة لا تعني نهاية العلاقة المؤسساتية بين الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية.
الحزبان سيظلان حاضرين داخل البرلمان، وستجمعهما اللجان والجلسات والتشريعات والرقابة والتدافع بين الأغلبية والمعارضة.
لكنها تكشف بوضوح حجم المسافة التي باتت تفصل بين الرجلين شخصياً وسياسياً.
الانتخابات انتهت، ومشاورات الحكومة بدأت، لكن سنوات السجال لم تُغلق بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
وهبي، من جهته على الأقل، حسم موقع بنكيران منه بعبارة لم تترك مجالاً كبيراً للتأويل: «لا محل له من الإعراب بالنسبة إليّ.. انتهى الموضوع».
