بقلم: الباز عبدالإله
تكشف أحدث أرقام وزارة الاقتصاد والمالية مفارقة لافتة في وضعية الميزانية المغربية عند متم يوليوز 2026.
فبينما تراجع العجز إلى 50,5 مليار درهم، مقابل 54,7 ملياراً قبل سنة، لم يأت هذا التحسن من خفض الإنفاق، بل أساساً من ارتفاع المداخيل بوتيرة أسرع من المصاريف.
وبحسب وضعية تحملات وموارد الخزينة «SCRT»، ارتفعت المداخيل بحوالي 28,2 مليار درهم خلال سنة، مقابل زيادة النفقات بنحو 23,9 ملياراً، لينخفض العجز في المحصلة بحوالي 4,2 مليارات درهم.
لكن خلف رقم العجز المحسن، تظهر فاتورة إنفاق تواصل الصعود. فقد بلغت النفقات العادية 242,6 مليار درهم، بزيادة تناهز 30,1 ملياراً مقارنة بمتم يوليوز 2025، وبمعدل تنفيذ وصل إلى 63,9 في المائة من توقعات السنة.
وتظهر التفاصيل أن نفقات السلع والخدمات ارتفعت بـ14,4 في المائة، وفوائد الدين بـ14 في المائة، كما زادت تكاليف المقاصة بـ10,8 في المائة، بينما ارتفعت نفقات الاستثمار إلى 69,3 مليار درهم، بزيادة سنوية بلغت 13,9 في المائة.
في المقابل، واصلت الجبايات تغذية خزينة الدولة بقوة، بعدما تجاوزت المداخيل الضريبية 223,8 مليار درهم، بارتفاع 10,9 في المائة، فيما بلغت المداخيل الإجمالية حوالي 253,8 مليار درهم، بعد خصم الاسترجاعات والتخفيضات والتعويضات الضريبية.
وتضع هذه الأرقام النقاش حول المالية العمومية أمام سؤال أبعد من مجرد انخفاض العجز.
فإذا كانت الدولة تنجح في تحصيل موارد إضافية، فإن النفقات تستمر بدورها في الارتفاع بوتيرة قوية، ما يطرح سؤال نجاعة الإنفاق وقدرة الإصلاحات المالية على التحكم في كلفة التسيير، وليس فقط تعبئة موارد جديدة.
ويزداد السؤال أهمية مع تراجع الفائض العادي من 13,1 مليار درهم قبل سنة إلى 11,1 ملياراً، رغم الارتفاع الكبير في المداخيل، وهو تطور تزامن مع استمرار الزيادة في النفقات العادية.
وتبرز الحسابات الخاصة للخزينة بدورها كأحد العناصر اللافتة في أرقام يوليوز، بعدما انتقلت من عجز بنحو 7 مليارات درهم خلال الفترة نفسها من 2025 إلى فائض يناهز 7,7 مليارات في 2026، أي تحول يقارب 14,7 مليار درهم خلال سنة واحدة.
ولا يعني ارتفاع الإنفاق، في حد ذاته، وجود سوء تدبير، إذ يمكن أن يرتبط بالاستثمار والدعم والالتزامات الاجتماعية وخدمة الدين.
لكن سرعة نمو النفقات، بالتوازي مع ارتفاع الجبايات وتسجيل 9,9 مليارات درهم من المداخيل المتأتية من آليات التمويل المبتكرة، تجعل السؤال مشروعاً حول طبيعة الموارد التي يقوم عليها تحسن الميزانية ومدى استدامتها.
وفوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، يوجد بذلك أمام معادلة واضحة: العجز يتراجع، لكن الإنفاق يرتفع بقوة، فيما تواصل فوائد الدين وتكاليف التسيير الضغط على الخزينة، بالتوازي مع ارتفاع نفقات الاستثمار.
لذلك لا يقتصر السؤال على مقدار انخفاض العجز، بل على ما إذا كانت المالية العمومية تتحسن بفضل إصلاح بنيوي للإنفاق، أم أساساً بفضل قدرة أكبر على تعبئة الموارد.
