بقلم: الباز عبدالإله
لم ينكر عبد اللطيف وهبي الانتقادات المرتبطة بغيابه عن تارودانت، لكنه اختار لها جواباً يفتح نقاشاً سياسياً أعمق من السؤال نفسه، إذ دافع عن فكرة مفادها أن أداء مهامه لا يُقاس بالحضور الجسدي وحده، ما دام يترافع في الرباط من أجل جلب التمويلات والمشاريع للمدينة.
هذا التفسير يوضح أين كان وهبي، لكنه يطرح المعضلة الأهم: هل وظيفة رئيس الجماعة المنتخَب هي البحث عن الميزانيات في العاصمة فقط، أم الحضور أيضاً في الميدان لتجسيد القيادة السياسية للمدينة ومتابعة تدبيرها اليومي؟
لا أحد يستطيع إنكار أن تارودانت أصبحت تتوفر اليوم على برنامج تنموي، ولا أن مشاريع مهمة دخلت مرحلة البرمجة أو الإنجاز. فالموقع الرسمي للجماعة يتحدث عن برنامج للتنمية الحضرية 2025-2029 بكلفة إجمالية تبلغ 3 مليارات درهم، بمساهمات من الدولة والجهة وباقي الشركاء.
لذلك، فالنقاش ليس حول وجود المشاريع من عدمه، بل حول فلسفة اللامركزية ومعنى الشرعية التمثيلية: هل يكفي أن يترافع رئيس الجماعة في الرباط لجلب التمويلات، أم أن مسؤوليته تقتضي أيضاً حضوراً سياسياً وميدانياً داخل المدينة التي انتُخب لتدبيرها؟
فالناخب لم يمنح صوته لمبعوث دائم للجماعة لدى الوزارات، وإنما لرئيس يُفترض أن يكون المسؤول السياسي الأول عن تتبع الملفات، والإنصات إلى الساكنة، ومراقبة تنفيذ البرامج، وتحمل المسؤولية المباشرة عن التدبير المحلي.
وتظهر المفارقة بوضوح فيما نشرته الجماعة نفسها، حين أشادت بـ«ترافع وهبي على المستوى المركزي»، وبـ«الإشراف الفعلي والميداني» لعامل الإقليم.
وهنا تبرز الإشكالية: إذا كانت السلطة الإقليمية تتولى الإشراف الميداني، بينما يُدار الترافع من الرباط، فأين موقع القيادة المنتخبة في التدبير اليومي للمدينة؟
المسألة تتجاوز شخص عبد اللطيف وهبي، لتطرح سؤالاً أوسع حول الجمع بين التزامات حكومية وحزبية ثقيلة وبين رئاسة جماعة ترابية يُفترض فيها القرب والاستمرارية والحضور.
كما أن الاستناد إلى مشاريع تمتد برمجتها إلى سنوات مقبلة لا ينبغي أن يؤدي إلى ترحيل المحاسبة إلى المستقبل؛ لأن تقييم الحصيلة لا يقتصر على ما جرى جلبه من اعتمادات واتفاقيات، بل يشمل أيضاً كيفية ممارسة المسؤولية خلال سنوات الانتداب.
المعيار الحقيقي، إذن، يجمع بين سؤالين: ماذا جُلب لتارودانت من استثمارات؟ وكيف مارس رئيس الجماعة مسؤوليته السياسية والميدانية خلال ولايته؟
الترافع حق وواجب، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن الحضور والمساءلة المحلية.
وإذا كانت ولاية قاربت خمس سنوات قد احتاجت إلى رئيس يبحث لتارودانت عن التمويل في الرباط، يبقى السؤال الذي تركه كلام وهبي مفتوحاً:
هل كان على المدينة، في المقابل، أن تبحث عن رئيسها داخل أسوارها؟
