بقلم: الباز عبدالإله
من المغرب إلى منصة الأمم المتحدة… ياسمين بوزيدي بين أربعة أصوات لضحايا الإرهاب
تشارك المغربية ياسمين بوزيدي، اليوم الجمعة 21 غشت 2026، ضمن أربعة ضحايا فقط خُصصت لهم فقرة «أصوات الضحايا» في الفعالية رفيعة المستوى التي تنظمها الأمم المتحدة بمناسبة اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب، واضعة بذلك اسماً مغربياً داخل واحدة من أبرز فقرات المناسبة الأممية المخصصة هذه السنة للذاكرة والتعافي.
ويكشف البرنامج الرسمي لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب أن بوزيدي تشارك في فقرة تحمل عنوان «أصوات الضحايا – التعافي من خلال الذاكرة»، إلى جانب جوزيف فايفر من الولايات المتحدة، وسيناب ورسامي من الصومال، وراشيل غولدبرغ-بولين من إسرائيل والولايات المتحدة.
ولا يعني اختيار هؤلاء الأربعة أنهم يمثلون وحدهم ضحايا الإرهاب عبر العالم، وإنما أن الأمم المتحدة خصصت هذه الفقرة تحديداً لأربعة أصوات فقط لتقديم تأملاتهم وتجاربهم بشأن الذاكرة والتخليد ودورهما في التعافي من آثار الإرهاب.
وتنعقد الفعالية الأممية، التي تنظم افتراضياً على مستوى رفيع، تحت شعار «Healing through Memory»، أي «التعافي من خلال الذاكرة»، وهو موضوع يضع التذكر والتخليد في قلب مسار دعم الضحايا والناجين، انطلاقاً من اعتبار أن حفظ الذاكرة لا يتعلق فقط باستعادة أحداث الماضي، وإنما يمكن أن يشكل أداة للاعتراف بالضحايا ودعم التعافي على المدى الطويل.
وتبدأ فقرة «أصوات الضحايا» عند الساعة 10:10 صباحاً بتوقيت نيويورك، حيث يتقاسم المشاركون الأربعة رؤيتهم بشأن التذكر والتخليد ودور الذاكرة في التعافي، قبل الوقوف، عند الساعة 10:25، دقيقة صمت تكريماً لضحايا الإرهاب والناجين منه.
وتمنح مشاركة بوزيدي للمغرب حضوراً مباشراً في هذه الفقرة الرمزية، خصوصاً أن وثائق أممية سابقة سبق أن قدمتها بصفتها «ضحية للإرهاب – المغرب»، ضمن مؤتمر دولي للأمم المتحدة خُصص لضحايا الإرهاب.
ولا تتوقف دلالة حضورها عند الجانب الرمزي، إذ يأتي في سياق توجه أممي متزايد نحو إشراك الضحايا والناجين في النقاش حول السياسات والبرامج المرتبطة بحقوقهم، وعدم حصر دورهم في تقديم الشهادات أو الحضور البروتوكولي.
ويظهر هذا التوجه بوضوح مباشرة بعد انتهاء الجزء رفيع المستوى، إذ تطلق الأمم المتحدة عند الساعة 10:30 صباحاً جلسة تحت عنوان «بناء إنترنت أكثر أماناً لضحايا الإرهاب»، تخصص لمناقشة توصيات شبكة جمعيات ضحايا الإرهاب «VoTAN» بشأن الأضرار التي يمكن أن يتعرض لها الضحايا والناجون داخل الفضاء الرقمي.
ويتعلق النقاش، بحسب الأمم المتحدة، بالمخاطر الناتجة عن المحتويات التي قد تعيد تعريض الضحايا للصدمة أو تستغل رواياتهم، إضافة إلى كيفية جعل المنصات الرقمية أكثر احتراماً لحقوقهم وكرامتهم.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة مع الرسالة التي وجهها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بمناسبة يوم 21 غشت، إذ شدد على أن طريقة حفظ الذاكرة لا تقل أهمية عن الذاكرة نفسها، محذراً من استغلال قصص الضحايا أو استخدامها لنشر مزيد من الكراهية، بما في ذلك داخل المنصات الرقمية.
وأكد غوتيريش أن إحياء ذكرى الضحايا بطريقة مسؤولة يمكن أن يحميهم من التعرض لمزيد من الصدمات، ويجعل الذاكرة مساراً نحو التعافي بدلاً من تحويلها إلى مصدر جديد للأذى.
أما شبكة «VoTAN»، فقد أطلقها مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب رسمياً في 28 أبريل 2025، باعتبارها منصة عالمية تربط بين ضحايا الإرهاب وجمعياتهم وتتيح لهم تبادل الخبرات والدعم والمشاركة بصورة أكثر انتظاماً في الدفاع عن حقوقهم.
وتضم الشبكة، وفق أحدث المعطيات المنشورة من الأمم المتحدة، أكثر من 120 ضحية وجمعية من 40 دولة، وتسعى إلى تعزيز حضور الضحايا في صياغة السياسات والبرامج المتعلقة بمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، فضلاً عن إتاحة قنوات أكثر انتظاماً للوصول إلى صناع القرار.
وتأتي مشاركة بوزيدي اليوم امتداداً لحضور سابق لها داخل أنشطة الأمم المتحدة، إذ شاركت في المؤتمر الدولي حول ضحايا الإرهاب ضمن جلسة خصصت لـ«تمكين الشباب كمدافعين عن السلام في مكافحة الإرهاب»، وقدمتها وثائق المؤتمر رسمياً بصفتها «ضحية للإرهاب – المغرب».
ويكتسي اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب طابعاً مؤسساتياً منذ أن قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بموجب القرار 72/165 الصادر سنة 2017، تخصيص يوم 21 غشت من كل سنة لتكريم الضحايا والناجين وتعزيز وحماية حقوقهم وحرياتهم الأساسية.
وتضع الأمم المتحدة في صلب مقاربتها لهذا الملف فكرة أن التعامل مع الإرهاب لا ينتهي بانتهاء الهجوم أو بالملاحقة الأمنية والقضائية لمنفذيه، وإنما يمتد إلى ضمان حقوق الضحايا ودعم احتياجاتهم وتعافيهم وإشراكهم في السياسات التي تمسهم.
وبينما يظل النقاش حول الإرهاب غالباً مرتبطاً بالأمن والاستخبارات والتشريعات، تضع مشاركة ياسمين بوزيدي اليوم اسماً مغربياً داخل مسار أممي يحاول نقل السؤال إلى مساحة أخرى: ماذا يحدث للإنسان بعد انتهاء الهجوم؟ وكيف يمكن حماية ذاكرة الضحايا من النسيان من دون تحويلها إلى مصدر جديد للصدمة؟
وهكذا، لا تكمن خصوصية مشاركة بوزيدي في كونها واحدة من «أربعة ضحايا في العالم»، بل في كونها واحدة من أربعة أصوات فقط أدرجتها الأمم المتحدة ضمن فقرة الشهادات والتأملات في فعالية 21 غشت 2026، بما يمنح تجربتها وحضور المغرب مساحة واضحة داخل منصة أممية مخصصة اليوم لتحويل ذاكرة الألم إلى أداة للتعافي والاعتراف والدفاع عن حقوق الضحايا.
