بقلم: الباز عبدالإله
حوّلت المحكمة الدستورية مسار قانون تنظيمي حظي بإجماع غرفتي البرلمان إلى درس دستوري مباشر في حدود سلطة الحكومة على هياكل القضاء، بعدما رفضت إدراج منصب «المحافظين القضائيين العامين» ضمن المناصب العليا التي يتم التداول في شأن التعيين فيها داخل مجلس الحكومة، معتبرة أن إخضاع مسؤول يعمل حصرياً داخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية لأداة تعيين صادرة عن السلطة التنفيذية يمس باستقلال السلطة القضائية.
وتحوّل قرار المحكمة إلى أثر قانوني نهائي، أمس الخميس 20 غشت 2026، بعدما نُشر القانون التنظيمي رقم 026.26 في الجريدة الرسمية عدد 7536 بصيغته القابلة للتنفيذ، من دون منصب «المحافظين القضائيين العامين» الذي قضت المحكمة بعدم دستورية إدراجه ضمن تعيينات مجلس الحكومة.
ويتعلق الأمر بالقانون التنظيمي رقم 026.26، القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا تطبيقاً للفصلين 49 و92 من الدستور، والذي وصل إلى المحكمة الدستورية بعد مسار تشريعي لم يعرف أي اعتراض عند التصويت النهائي.
وتكشف الوثائق الرسمية للمحكمة أن المشروع تداول فيه المجلس الوزاري يوم 9 أبريل 2026، قبل إيداعه لدى مجلس النواب بتاريخ 23 أبريل، ليوافق عليه النواب بالإجماع في الجلسة العامة المنعقدة يوم 15 يونيو 2026. وبعد انتقاله إلى الغرفة الثانية، صادق عليه مجلس المستشارين بدوره بالإجماع يوم 13 يوليوز.
غير أن الإجماع البرلماني لم يكن نهاية المسار. فباعتبار النص قانوناً تنظيمياً، أحاله رئيس الحكومة وجوباً على المحكمة الدستورية بتاريخ 21 يوليوز 2026 قبل إصدار الأمر بتنفيذه، طبقاً للفصل 132 من الدستور، لتظهر خلال الرقابة الدستورية إشكالية لم تمنع الغرفتين من المصادقة على النص.
وكان المقتضى المعني يقضي بإضافة منصب «المحافظين القضائيين العامين» إلى البند «ج» من الملحق رقم 2 المتعلق بالمناصب العليا التي يتم التداول في شأن التعيين فيها داخل مجلس الحكومة، وهو ما كان سيفتح الباب أمام تعيين شاغل هذا المنصب بمرسوم في إطار السلطة التنفيذية.
المحكمة الدستورية رفضت هذا الترتيب بصورة صريحة.
واستند القرار رقم 278/26 م.د، الصادر بتاريخ 10 غشت 2026، إلى الفصول 107 و113 و116 من الدستور، التي تؤسس لاستقلال السلطة القضائية وتمنح المجلس الأعلى للسلطة القضائية استقلاله الإداري والمالي.
ولم تتعامل المحكمة مع المسألة باعتبارها مجرد خلاف تقني حول طريقة التعيين، بل ربطتها مباشرة بالفصل بين السلط وبحق المجلس الأعلى للسلطة القضائية في تدبير هياكله الداخلية بعيداً عن ولاية السلطة التنفيذية.
وجاء في تعليل المحكمة أن استقلال المجلس الأعلى للسلطة القضائية يقتضي «سيادة كاملة في تدبير شؤونه الداخلية، بما في ذلك تعيين أطره»، وأن هياكله الإدارية والمالية ينبغي أن تظل محصنة من التبعية أو الإشراف العضوي لأي سلطة أخرى، وخاصة السلطة التنفيذية.
ووصفت المحكمة المحافظ القضائي العام باعتباره موظفاً يمارس مهامه حصرياً ضمن موظفي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهو ما يعني أن إخضاع تعيينه لمرسوم صادر عن مجلس الحكومة كان سيضع مسؤولاً داخل بنية مؤسسة قضائية مستقلة تحت ولاية السلطة التنفيذية من حيث أداة التعيين.
وخلص القرار إلى أن هذا الوضع يمس بصورة مباشرة بالاستقلال المؤسساتي والتنظيمي للسلطة القضائية، مؤكداً أن تعيين المسؤولين في المناصب الإدارية أو المالية الواقعة داخل هياكل المجلس الأعلى للسلطة القضائية يدخل ضمن مجال تدبير المجلس نفسه، بما يحمي استقلاله حتى من أشكال التأثير غير المباشر للسلطة التنفيذية.
وذهبت المحكمة إلى اعتبار تدخل السلطة التنفيذية في هذا النوع من التعيينات من شأنه إفراغ الاستقلال الإداري والمالي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية من محتواه، لتنتهي صراحة إلى أن إسناد هذا الاختصاص إلى الحكومة مخالف للدستور.
لكن المحكمة لم تُسقط القانون التنظيمي بكامله.
فقد اعتبرت المقتضى غير الدستوري قابلاً للفصل عن باقي أحكام النص، وأجازت إصدار الأمر بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 026.26 بعد حذف منصب «المحافظين القضائيين العامين» من قائمة المناصب العليا التي يتم التداول في شأنها داخل مجلس الحكومة، فيما صرحت بأن بقية أحكام القانون لا تتعارض مع الدستور.
ونُشر قرار المحكمة أولاً في الجريدة الرسمية عدد 7534 بتاريخ 13 غشت 2026، قبل أن يصدر الظهير الشريف رقم 1.26.74 بتاريخ 18 غشت بتنفيذ القانون التنظيمي، ثم يُنشر النص النهائي في الجريدة الرسمية عدد 7536 يوم 20 غشت 2026، وقد اختفى منه فعلياً المقتضى الذي أسقطته المحكمة.
وهنا تكمن الدلالة السياسية والمؤسساتية الأبرز للقرار: نص عبر المسار الحكومي، وتداول فيه المجلس الوزاري، ثم حصل على إجماع مجلس النواب وإجماع مجلس المستشارين، قبل أن تتدخل الرقابة الدستورية لتضع حداً أمام انتقال سلطة تعيين مسؤول داخل البنية الإدارية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى الحكومة.
ولا يعني قرار المحكمة أن الحكومة أو البرلمان سعيا بالضرورة إلى المس باستقلال القضاء، لكنه يكشف أن الإجماع السياسي والتشريعي لا يمنح أي مقتضى حصانة من الرقابة الدستورية، وأن اتفاق الأغلبية والمعارضة داخل المؤسستين التشريعيتين لا يكفي إذا تعارض النص مع الحدود التي رسمها الدستور للفصل بين السلط.
كما تكتسب الواقعة أهمية تتجاوز منصب المحافظ القضائي العام نفسه، لأنها ترسم قاعدة دستورية واضحة في مجال التعيينات: المسؤوليات الإدارية والمالية الواقعة داخل الهياكل التابعة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية لا يجوز أن تتحول، عبر قوانين التعيين في المناصب العليا، إلى مجال لممارسة سلطة الحكومة.
وبذلك، لم يكن التغيير النهائي مجرد حذف اسم من ملحق قانون تنظيمي، بل إعادة تثبيت للحد الفاصل بين مجال الحكومة ومجال السلطة القضائية: الحكومة تتداول في التعيينات التي يسمح بها الدستور والقانون التنظيمي، بينما يظل التدبير الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وفق قراءة المحكمة الدستورية، خارج ولايتها.
