بقلم: الباز عبدالإله
فتح فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، باباً لمساءلة حكومية تتجاوز مضمون خطابه الانتخابي، بعدما أعلن خلال لقاء حزبي بإقليم تاونات،أمس الجمعة 21 غشت 2026، أن أزيد من 300 ألف تلميذ يغادرون مقاعد الدراسة سنوياً، واضعاً معالجة اختلالات التعليم ضمن المسؤوليات الثقيلة التي تنتظر الحكومة المقبلة.
لكن الرقم الذي قدمه لقجع يثير سؤالاً مباشراً داخل الحكومة نفسها، لأن وزير التربية الوطنية محمد سعد برادة أعلن أمام مجلس المستشارين، يوم 7 يوليوز 2026، أن عدد المنقطعين عن الدراسة بلغ 276 ألف تلميذ خلال الموسم 2024-2025، بعدما كان في حدود 294 ألفاً، مسجلاً تراجعاً بنسبة 6.2 في المائة.
بمعنى آخر، وزير التربية في الحكومة نفسها يتحدث عن 276 ألف منقطع خلال موسم دراسي محدد، بينما يقف وزير الميزانية بعد أسابيع أمام المواطنين ليقول إن العدد يتجاوز 300 ألف سنوياً، دون توضيح الموسم الدراسي أو الفترة المرجعية التي يستند إليها.
والفارق ليس تفصيلاً لغوياً، لأنه يتجاوز 24 ألف تلميذ على الأقل، والأهم أن عبارة «أزيد من 300 ألف» ليست جديدة في خطاب لقجع.
ففي 19 شتنبر 2022، أي قبل نحو أربع سنوات، وقف لقجع خلال المناظرة الوطنية للتنمية البشرية بالصخيرات ليقول إن أزيد من 300 ألف تلميذ يغادرون الدراسة سنوياً، خصوصاً في الوسط القروي، منتقداً آنذاك التفاوت بين حجم الجهد المالي المبذول في التعليم والنتائج المحققة.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل أعاد وزير الميزانية في غشت 2026 استعمال الصيغة العددية نفسها التي قدمها قبل نحو أربع سنوات، رغم توفر حكومته على معطى أحدث عرضه الوزير المسؤول مباشرة عن القطاع أمام البرلمان قبل أسابيع فقط؟
وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي تستند إليه المداخلات السياسية لمسؤول حكومي يوجد في قلب صناعة القرار المالي للدولة: آخر المعطيات الحكومية، أم تقدير سبق أن استعمله لقجع سنة 2022؟
أما إذا كان لقجع يتوفر فعلاً على معطيات أحدث تشير إلى تجاوز عدد المنقطعين 300 ألف سنوياً، فإن السؤال يصبح في الاتجاه الآخر: ما الفترة المرجعية التي يغطيها هذا الرقم، ولماذا يختلف عن رقم 276 ألفاً الذي قدمه وزير التربية أمام البرلمان؟ وأيهما يعكس الوضع الأحدث للهدر المدرسي؟
هذا التباين يكتسب وزناً أكبر، في غياب توضيح الفترة المرجعية والمنهجية التي بُني عليها كل رقم، ولأن لقجع ليس مسؤولاً بعيداً عن تمويل المدرسة المغربية.
فالوثائق الرسمية المرتبطة بقانون مالية 2026 تكشف أن الغلاف المالي الإجمالي المخصص للتربية الوطنية والتعليم الأولي بلغ نحو 97.107 مليار درهم، مقابل 85.612 ملياراً سنة 2025، أي بزيادة قدرها 11.495 مليار درهم خلال سنة واحدة، تعادل 13.43 في المائة.
ولقجع نفسه هو الذي قدم، في 20 أكتوبر 2025، عرض مشروع قانون المالية لسنة 2026 أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، ما يضعه في قلب تقديم الاختيارات الميزانياتية وتحديد الاعتمادات الموجهة لقطاع التعليم.
كما أعلنت وزارة الاقتصاد والمالية أن الغلاف الإجمالي المخصص للتعليم والصحة بلغ 140 مليار درهم سنة 2026، إلى جانب إحداث أكثر من 27 ألف منصب مالي لفائدة القطاعين.
وهنا لا يعود الأمر مجرد فارق بين رقمين، بل يتحول إلى سؤال عن مصدر المعطيات التي يعتمدها مسؤول حكومي يوجد في قلب إعداد ميزانية الدولة وتحديد الاعتمادات الموجهة لقطاع التعليم نفسه.
فلقجع نفسه قال سنة 2022 إن أكثر من 300 ألف تلميذ يغادرون المدرسة سنوياً، وإن النتائج لا تعكس حجم الأموال التي تضخها الدولة في التعليم. وبعد نحو أربع سنوات، وبعد رفع ميزانية التربية بأكثر من 11 مليار درهم خلال سنة واحدة لتتجاوز 97 ملياراً، يعود إلى الصيغة العددية نفسها تقريباً، ثم يضع معالجة اختلالات القطاع ضمن المهام التي تنتظر «الحكومة المقبلة».
فماذا تغير بين 2022 و2026؟
إذا كان العدد قد انخفض فعلاً إلى 276 ألفاً خلال الموسم 2024-2025، فلماذا لم يعتمد لقجع آخر رقم أعلنته حكومته وهو يخاطب المواطنين، أو يوضح أنه يتحدث عن فترة مختلفة؟
وإذا كانت المعطيات الأحدث تشير إلى أن العدد ما يزال يتجاوز 300 ألف، فلماذا قدم وزير التربية رقماً أقل أمام البرلمان؟
وإذا ارتفع الإنفاق على التعليم بأكثر من 11 مليار درهم خلال سنة واحدة، بينما ما تزال الاختلالات نفسها حاضرة في خطاب الوزير بعد ولاية حكومية كاملة تقريباً، فأين تقف مسؤولية الحصيلة قبل توزيع المهام على الحكومة المقبلة؟
لقجع كان قد وضع سنة 2022 معياراً واضحاً لمحاسبة السياسة التعليمية: ليس المهم فقط حجم الأموال المصروفة، بل النتائج التي تنتج عنها.
وبالمعيار نفسه، فإن تخصيص أكثر من 97 مليار درهم للتعليم سنة 2026، والحديث من جديد عن مئات آلاف المنقطعين، لا يطرحان سؤالاً على الحكومة المقبلة وحدها، بل يضعان حصيلة الحكومة الحالية ومسؤوليها الماليين والتربويين أمام الاختبار أولاً.
أما أن يتحدث وزير التربية بلغة 276 ألفاً، ويستعمل وزير الميزانية عبارة «أزيد من 300 ألف»، دون تحديد موحد للفترة المرجعية، فذلك يضيف إلى أزمة الهدر المدرسي سؤالاً أكثر بساطة: بأي أرقام تدبر الحكومة قطاعاً تضع فيه عشرات المليارات من الدراهم؟
