شنّ الكاتب والباحث إدريس الكنبوري هجوماً لاذعاً على إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، على خلفية استعانته بالتاريخ الإسلامي لتبرير تحول موقف حزبه من حزب الأصالة والمعاصرة، معتبراً أن ما يجري ليس مجرد تغيير في التحالفات السياسية، بل انقلاب على تاريخ حزب كان يمتلك وزناً نضالياً وأصبح، وفق تعبيره، مجرد «عازف صغير في فرقة موسيقية».
وجاء هجوم الكنبوري في تدوينة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»، انتقد فيها تشبيه لشكر انتقال الاتحاد الاشتراكي من معارضة حزب الأصالة والمعاصرة إلى الاستعداد للتحالف معه، بتحول أشخاص ناهضوا النبي محمد صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة الإسلامية، قبل أن يصبحوا من المدافعين عن الإسلام.
واستهل الكنبوري تدوينته باتهام مباشر للكاتب الأول لحزب «الوردة»، قائلاً إن «الطمع في المناصب الوزارية» بلغ به «حدا يفوق الوصف»، بعدما لجأ إلى هذا المثال الديني لتفسير تغير موقف حزبه من «البام»، الذي سبق أن هاجمه ووصفه بـ«الوافد الجديد» عند ظهوره سنة 2008.
ولخص موقفه من تصريحات لشكر بعبارة حادة: «إنه سقوط السياسة إلى القاع من أجل المتاع»، في إشارة إلى ما يعتبره تغليباً للمكاسب الحكومية على المواقف والمبادئ السياسية.
وكان لشكر قد استحضر، في تصريحات بالرباط أمس السبت 10 أكتوبر 2026، مثال أشخاص عارضوا الإسلام في بداياته قبل أن يصبحوا من المدافعين عنه، لتفسير تغير موقف حزبه من الأصالة والمعاصرة، متسائلاً: «هل نقول لهم: قفوا مكانكم، لقد كنتم بالأمس تحاربون؟»، في دفاع عن مشروعية مراجعة المواقف السياسية السابقة.
غير أن الكنبوري قلب هذا التشبيه على صاحبه، من خلال سلسلة من الأسئلة الساخرة التي تستهدف جوهر التحول السياسي للاتحاد الاشتراكي، متسائلاً: «فهل هذا يعني أن إدريس لشكر أسلم بعد كفره بحزب الأصالة والمعاصرة؟ هل يعني أن حزب الأصالة والمعاصرة كان على حق ولشكر على باطل؟».
وذهب أبعد من ذلك باستحضار الرمز الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، متسائلاً عما إذا كان هذا التحول يعني أن «الاتحاد الاشتراكي تجرجر، من الجرار»، وما إذا كان الحزب سيصبح من المدافعين عن «البام» بعدما كان من منتقديه.
وفتح الكنبوري جبهة أخرى في انتقاده لشكر، تتعلق بالتناقض الذي يراه بين الدعوة إلى فصل الدين عن السياسة والاستعانة بالمرجعية الدينية لتبرير التحالفات الحزبية، متسائلاً: «ولكن لماذا اختار إدريس لشكر هذا المثال وهو الذي يدعو إلى فصل الدين عن السياسة؟ لماذا أدخل الكفر والإيمان في الموضوع؟».
واعتبر صاحب التدوينة أن تاريخ الاتحاد الاشتراكي نفسه كان يوفر أمثلة سياسية يمكن الاستعانة بها دون اللجوء إلى المقارنات الدينية، مستحضراً مرحلة عبد الرحيم بوعبيد والتحولات التي عرفها موقف الحزب من النظام السياسي، ثم تجربة التناوب خلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني.
وتساءل في هذا السياق عن سبب عدم استحضار لشكر تلك المحطات، قبل أن يطرح سؤالاً أكثر حدة: «أم أن لشكر انقلب حتى على تاريخ الاتحاد؟».
وبلغ انتقاد الكنبوري ذروته عندما اتهم لشكر باستعمال الدين من أجل السلطة، معتبراً أن المقارنة التي اختارها تنقلب عليه بدل أن تدعم موقفه، لأن الذين اعتنقوا الإسلام بعد معارضته انتقلوا، بحسب تعبيره، «من سيء إلى حسن».
وفي مقابل ذلك، رأى الكنبوري أن المثال الأقرب إلى وضع لشكر ليس اعتناق الإسلام بعد معارضته، وإنما «أهل الردة الذين ارتدوا عنه»، مستخدماً مفهوم الردة في سياق نقده السياسي لتحولات قيادة الاتحاد الاشتراكي.
وشدد على أن ما يجري داخل الحزب يمثل، في تقديره، «ردة حقيقية على حزب كان له تاريخ فأصبح مجرد عازف صغير في فرقة موسيقية»، في توصيف يعكس حجم انتقاده للموقع الذي انتهى إليه الاتحاد الاشتراكي داخل موازين القوى السياسية.
وتزامنت هذه الانتقادات مع مصادقة المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي، أمس السبت 10 أكتوبر 2026، على خيار المشاركة في الحكومة المقبلة التي تتولى فاطمة الزهراء المنصوري مشاورات تشكيلها، مع تفويض إدريس لشكر تدبير المفاوضات المتعلقة بشروط هذه المشاركة.
وكان لشكر قد دافع عن انفتاح حزبه على «البام»، معتبراً أن وصفه السابق بـ«الوافد الجديد» ارتبط بمرحلة سياسية تجاوزتها التطورات، وأن العمل مع المنصوري لا ينطوي على تناقض.
كما أكد أن المشاركة الحكومية ينبغي أن تقوم على تعاقد سياسي وبرنامجي، لا على مجرد اقتسام الحقائب الوزارية.
وبينما يقدم لشكر هذا التحول باعتباره استجابة لمعطيات سياسية جديدة، يرى الكنبوري فيه تخلياً عن مواقف الحزب التاريخية تحت إغراء المناصب الحكومية، وهو خلاف يتجاوز مسألة التحالف مع «البام» إلى سؤال أعمق يتعلق بحدود الثبات على المبادئ في مقابل ضرورات المشاركة في السلطة.
واختار الكنبوري إنهاء تدوينته بعبارة مقتضبة، اختزل فيها تقييمه للمسار الذي بلغه حزب «الوردة»: «هكذا تولد الأحزاب وتموت».
