بقلم: الباز عبدالإله
تكشف توقعات مالية طويلة المدى، تُعرف في لغة التأمين والضمان الاجتماعي بـ«الإسقاطات الاكتوارية»، عن مسار مالي ثقيل ينتظر نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالقطاع العام. ويُقصد بهذه الإسقاطات تقدير ما قد يقع مستقبلاً في مالية النظام، انطلاقاً من توقع تطور الاشتراكات والنفقات وعدد المنخرطين والأجور وكلفة العلاج وعوامل أخرى.
وبحسب هذه الحسابات التي أوردتها هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي «ACAPS»، قد يبلغ العجز الإجمالي المتراكم لنظام القطاع العام نحو 24 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى 2033، مع احتمال استنفاد احتياطي الأمان خلال 2027-2028 وفق التقييمات الحالية.
وهذه الأرقام ليست خسائر تحققت سلفاً ولا ديوناً قائمة اليوم بالقيمة نفسها، وإنما توقعات مبنية على فرضيات حول كيفية تطور موارد النظام ونفقاته خلال السنوات المقبلة، ويمكن أن تتغير إذا تغيرت نسب الاشتراك أو قواعد التمويل والتعويض أو اتُّخذت إجراءات جديدة لضبط المصاريف.
المعطيات واردة في التقرير السنوي لهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي حول قطاع الاحتياط الاجتماعي برسم سنة 2023، والذي يتضمن إسقاطات مالية واكتوارية لأنظمة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض تمتد إلى سنة 2033.
ونشرت «ACAPS» التقرير يوم 6 يوليوز 2026، رغم تعلق معطياته الأساسية بسنة 2023، وهو ما يمنح إسقاطاته أهمية خاصة بالتزامن مع الاستعداد لنقل تدبير نظام القطاع العام إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ويأتي هذا المسار المتوقع في وقت سجل فيه نظام «AMO-CNOPS»، خلال سنة 2023، عجزاً تقنياً بلغ نحو 906.8 ملايين درهم، إلى جانب رصيد إجمالي سلبي بحوالي 1.3 مليار درهم، ما يعني أن التوقعات تنطلق من وضع مالي يعرف أصلاً اختلالاً بين الموارد والنفقات.
وبحسب الهيئة، يُنتظر أن ترتفع نفقات ومصاريف نظام «AMO-CNOPS» بمعدل سنوي متوسط يبلغ 5.6 في المائة، لتصل إلى 12.4 مليار درهم سنة 2033، في حين لن ترتفع الاشتراكات سوى بمتوسط 3.5 في المائة سنوياً، لتبلغ 8.9 مليارات درهم في السنة نفسها.
وستجعل هذه الفجوة النظام، وفق الإسقاطات الاكتوارية، في وضعية عجز تقني طوال فترة التوقع، إذ قُدر هذا العجز بنحو 879.3 مليون درهم سنة 2024، قبل أن يتفاقم تدريجياً ليصل إلى حوالي 3.5 مليارات درهم بحلول 2033.
أما الرصيد الإجمالي للنظام، الذي يأخذ بعين الاعتبار مجمل الموارد والنفقات وليس فقط الاشتراكات والمصاريف التقنية، فتتوقع «ACAPS» أن يظل سلبياً على امتداد الفترة، انطلاقاً من عجز يقدر بـ1.1 مليار درهم سنة 2024، وصولاً إلى حوالي 4.1 مليارات درهم سنة 2033.
وتضع تقديرات الهيئة حجم الاختلال في صورة أوضح، إذ يمكن أن يصل العجز الإجمالي المتراكم المتوقع خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى 2033 إلى نحو 24 مليار درهم، فيما تشير التقييمات الاكتوارية الحالية إلى احتمال استنفاد احتياطي الأمان الخاص بنظام «AMO-CNOPS» خلال 2027-2028.
ولا يمثل رقم 24 مليار درهم عجزاً مسجلاً بالكامل اليوم، ولا يمثل في حد ذاته ديناً محاسبياً قائماً بالقيمة نفسها سينتقل تلقائياً إلى CNSS عند نقل التدبير، وإنما مجموع الأرصدة السنوية السلبية المتوقعة خلال عشر سنوات، وفق الفرضيات التي اعتمدتها «ACAPS».
كما لا يذكر التقرير أن هذه الإسقاطات أُعيد احتسابها في ضوء آثار نقل التدبير بموجب القانون رقم 54.23، إذ يعرض توقعات «AMO-CNOPS» و«AMO-CNSS» كنظامين منفصلين إلى غاية 2033.
لذلك، لا يمكن اعتبار هذه الأرقام تقييماً اكتوارياً محدثاً للوضع المالي بعد توحيد التدبير، كما يمكن أن تتغير النتائج إذا عُدلت نسب الاشتراك أو قواعد التمويل والتعويض، أو اتُّخذت تدابير جديدة لضبط النفقات.
وتظهر المفارقة عند مقارنة هذا المسار بنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بأجراء القطاع الخاص الذي تدبره CNSS، إذ يتوقع التقييم نفسه أن يحقق هذا النظام أرصدة إجمالية تراكمية إيجابية تناهز 23.3 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى 2033.
وتتوقع «ACAPS» أن تصل اشتراكات نظام «AMO-CNSS» إلى 15.9 مليار درهم بحلول 2033، مقابل 15.5 مليار درهم من النفقات والمصاريف، مع استمرار تسجيل رصيد إجمالي إيجابي يقارب مليار درهم في نهاية فترة الإسقاط، مدعوماً خصوصاً بالعائدات المالية لاستثمارات النظام.
ولا تعني هذه المقارنة إمكان إجراء مقاصة آلية بين العجز المتوقع لنظام القطاع العام والأرصدة الإيجابية المتوقعة لنظام أجراء القطاع الخاص، إذ يتعلق الأمر بإسقاطات تخص نظامين منفصلين، فيما لا يقدم التقرير تقييماً لكيفية تدبير مواردهما وتوازناتهما بعد توحيد المؤسسة المدبرة.
وتكتسب هذه الفجوة المالية حساسية أكبر مع اقتراب موعد نقل تدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالقطاع العام إلى CNSS.
فالقانون رقم 54.23، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 يناير 2026، أسند تدبير هذا النظام إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بدل CNOPS، في إطار اعتماد هيئة واحدة لتدبير أنظمة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
وينص القانون على دخوله حيز التنفيذ بعد انقضاء أجل اثني عشر شهراً يُحتسب ابتداءً من فاتح الشهر الموالي للشهر الذي نُشر خلاله. وبناء على هذه الصيغة، تدخل مقتضياته حيز التنفيذ في فاتح فبراير 2027، أي في فترة تتقاطع تقريباً مع الأفق الذي تضع فيه إسقاطات «ACAPS» احتياطي الأمان لنظام القطاع العام أمام احتمال الاستنفاد خلال 2027-2028.
ولا يقتصر انتقال التدبير على ملفات المؤمنين أو المهام الإدارية، إذ ينص القانون على نقل الممتلكات والأرشيف والوثائق الإدارية والمالية المرتبطة بالنظام، وعلى حلول CNSS محل CNOPS في الحقوق والالتزامات والعقود والصفقات والاتفاقيات التي لم تُسوَّ بعد.
كما ينص على نقل الأصول والخصوم المرتبطة بنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، إلى جانب الأرصدة المودعة في الحسابات البنكية والخزينة وصندوق الإيداع والتدبير ومرجوعات التعويضات، مع مراعاة الاستثناءات التي حددها بالنسبة إلى بعض ممتلكات CNOPS.
وتجعل هذه المقتضيات الوضعية المحاسبية والمالية الفعلية للنظام عند لحظة الانتقال عنصراً مركزياً في نجاح عملية توحيد التدبير.
وهذه المخاوف ليست منفصلة عن التحذيرات التي أثارها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أثناء مناقشة مشروع القانون رقم 54.23، إذ نبه إلى أن نقل نظام يعاني اختلالاً مالياً هيكلياً إلى CNSS، في غياب إصلاحات بارامترية وآليات مناسبة للقيادة، قد يطرح مخاطر على استقرار المنظومة.
ودعا المجلس إلى إنجاز دراسة اكتوارية شاملة تغطي أفقاً زمنياً لا يقل عن عشرين سنة لكل نظام، ومرفقة بدراسات سوسيو-اقتصادية ودراسات للأثر، مع اتخاذ تدابير لضمان التوازن المالي، من بينها مراجعة اشتراكات القطاع العام، سواء بحذف سقفها أو بملاءمة نسبها.
ولا تقتصر الضغوط على بنية التمويل، إذ سبق للمجلس أن سجل، استناداً إلى معطيات CNOPS، أن متوسط كلفة التكفل بالملف الطبي داخل القطاع الخاص يعادل 5.6 مرات نظيره في القطاع العام، وهو فارق يبرز حجم التحدي المرتبط بضبط النفقات الطبية وتوازنات النظام.
كما نبه المجلس، في أعمال وتقارير مرتبطة بإصلاح التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، إلى أهمية ضبط المصاريف الطبية وتطوير بروتوكولات علاجية قابلة للإلزام، إلى جانب تعميم الوصفة الطبية الإلكترونية، باعتبارها من الآليات الممكنة لتقنين النفقات وتحسين حكامة التكفل، دون أن يعني ذلك أن فارق الكلفة بين القطاعين يرجع حصراً إلى غياب هذه البروتوكولات.
وتكشف هذه المعطيات أن التحدي الذي سيواجه CNSS لا يرتبط فقط بعملية نقل إداري ومؤسساتي، بل أيضاً بمسار مالي تتوقع الإسقاطات الحالية استمرار اتساع اختلاله إذا بقيت محددات الاشتراكات والنفقات والتوازن المالي على حالها.
وبين عجز إجمالي متراكم متوقع بنحو 24 مليار درهم لنظام القطاع العام، وأرصدة إجمالية تراكمية إيجابية متوقعة بـ23.3 مليار درهم لنظام أجراء القطاع الخاص خلال الفترة نفسها، تضع عملية توحيد التدبير الحكومة أمام سؤال آليات تمويل الاختلال وضمان استدامة النظام، حتى لا يتحول نقل التدبير إلى مجرد انتقال للضغوط المالية نفسها من CNOPS إلى CNSS.
