فجّرت مريم جمال الإدريسي، وهي لا تزال داخل هياكل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، واحداً من أكثر الملفات حساسية في تدبير الترشيحات داخل الحزب، بعدما نقلت الخلاف من كواليس التزكيات إلى مواجهة مفتوحة حول المال والمناصفة والديمقراطية الداخلية، قبل أن تنتهي الأزمة بعد ذلك بيومين إلى استقالتها النهائية.
الإدريسي، المحامية بهيئة الدار البيضاء والتي كانت عضواً بالمجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي والكتابة الوطنية لمنظمة النساء الاتحاديات، نشرت يوم 21 غشت تدوينة بعنوان «التفاهة السياسية… بداية نهاية»، رسمت فيها صورة شديدة القسوة لما تعتبره انحرافاً أصاب الممارسة الحزبية، متحدثة عن انتقال السياسة من مجال لخدمة المواطن والصالح العام إلى «سوق تعرض فيه المواقع وتباع فيه التزكيات».
وقالت إن بعض الأحزاب، بما فيها تنظيمات ترفع شعارات الديمقراطية والحداثة والتقدمية، أصبحت في بعض ممارساتها أقرب إلى «دكاكين انتخابية» تفتح أبوابها مع اقتراب الاستحقاقات، بينما قد تتراجع الكفاءة والنزاهة والمسار النضالي أمام المال وشبكات المصالح والقدرة على ضمان «الولاء والصمت».
وذهبت الإدريسي مباشرة إلى قلب معركة التزكيات، معتبرة أن الخلل يبدأ حين تتحول التزكية من «تكليف سياسي ومسؤولية أخلاقية» إلى سلعة خاضعة لمنطق العرض والطلب، وحين تصبح لجان الترشيح والتأهيل، بحسب تعبيرها، مجرد «ديكور تنظيمي» يمنح الشرعية لقرارات يكون الحسم فيها قد جرى في مكان آخر.
لكن الجزء الأكثر إحراجاً سياسياً في تدوينتها كان المتعلق بالنساء، وهو ملف يمس مباشرة خطاب المناصفة والحداثة الذي ظل الاتحاد الاشتراكي يضعه ضمن هويته السياسية.
الإدريسي قالت إن المرأة قد تُستدعى «لتأثيث صورة الحزب»، وتوضع في الصفوف الأمامية حين تكون الكاميرات حاضرة، ثم تُدفع إلى الهامش عندما تبدأ عملية توزيع المواقع، معتبرة أن بعض الممارسات تريد للمرأة أن تكون واجهة للحداثة أكثر من كونها فاعلة سياسية مستقلة قادرة على القرار والقيادة.
ووصفت التناقض بين خطاب تمكين النساء وما يجري عند توزيع السلطة بـ«السكيزوفرينيا العلنية»، مشددة على أن التمييز الإيجابي لفائدة النساء لم يُقر ليصبح «منحة حزبية قابلة للمساومة»، ولا امتيازاً يربط بالولاء أو بالقدرة المالية.
وجاءت هذه التدوينة في خضم خلاف حول مسطرة اختيار مرشحات اللائحة الجهوية للنساء بجهة الدار البيضاء-سطات، بعدما أثارت الإدريسي تساؤلات بشأن ما وصفته بـ«المساهمات المالية» المرتبطة بمسار الترشيحات، وطالبت بتوضيح طبيعتها والأساس الذي تستند إليه وكيفية التعامل معها.
ولم يمر التصعيد دون رد من قيادة الاتحاد الاشتراكي، إذ دخل المكتب السياسي على الخط في اليوم الموالي، رافضاً ما صدر عن الإدريسي ومعتبراً أنه يمس بمصداقية مؤسسات الحزب، قبل أن تتجه الأزمة إلى القطيعة النهائية وتعلن الإدريسي، يوم 23 غشت، استقالتها من الحزب ومن مختلف هياكله ومسؤولياتها داخله.
وبذلك لم تكن تدوينة «التفاهة السياسية» موقفاً كتبته الإدريسي بعد مغادرتها الاتحاد الاشتراكي، وإنما واحدة من آخر رسائلها السياسية وهي لا تزال داخله، وهو ما يمنح كلماتها وزناً خاصاً باعتبارها صدرت من قلب أزمة الترشيحات وقبل الاستقالة النهائية.
الإدريسي رفعت انتقادها أبعد من حدود تزكية أو لائحة انتخابية، معتبرة أن الفساد السياسي لا يبدأ فقط من اختلاس المال العام، بل أيضاً من «اغتيال الاستحقاق، وتطبيع المحاباة، وإقصاء الكفاءات، وإفراغ المؤسسات من المصداقية».
وحذرت من أن النتيجة الأخطر لمثل هذه الممارسات هي ضرب ثقة المواطنين في السياسة نفسها، عندما يصبح الانطباع السائد أن البرامج والكفاءات والمسارات النضالية قد تكون أقل تأثيراً من المال والنفوذ والقرب من مراكز القرار.
وهكذا تحولت أزمة داخلية حول الترشيحات إلى سؤال سياسي أكبر يضرب في صميم الخطاب الذي ترفعه الأحزاب عن الديمقراطية الداخلية والمناصفة: ماذا يبقى من التقدمية عندما تخرج قيادية من داخل المؤسسات الحزبية لتقول إن المرأة قد تتحول إلى واجهة، وإن الكفاءة قد تنهزم أمام المال والنفوذ؟
مريم جمال الإدريسي اختصرت رسالتها في واحدة من أقسى عبارات تدوينتها: «المرأة ليست أثاثاً للمنصات، والكفاءة ليست سلعة، والسياسة ليست دكاناً»، معتبرة أن السياسة التي لا تبنى على الأخلاق تتحول إلى تجارة، وأن الديمقراطية التي لا تمارس داخل الأحزاب لا يبقى منها سوى الاسم، والتقدمية التي لا تنصف النساء لا يبقى منها سوى الشعار.
