بقلم: الباز عبدالإله
كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وجهاً مقلقاً لسوق الشغل بالمغرب، بعدما أفاد بأن نحو 46 في المائة من الأجراء يشتغلون دون عقد مكتوب، رغم مرور أكثر من عقدين على دخول مدونة الشغل حيز التنفيذ.
وأوضح المجلس، في تقريره السنوي برسم سنة 2025، أن جودة فرص العمل ما تزال تمثل تحدياً رئيسياً، في ظل استمرار هشاشة عدد من العلاقات المهنية ووجود نسبة مهمة من الوظائف ضعيفة التأهيل، بالتزامن مع بقاء معدل البطالة عند مستوى مرتفع بلغ 13 في المائة.
ويعكس رقم 46 في المائة استمرار شريحة واسعة من الأجراء خارج إطار تعاقدي مكتوب يسهّل ضبط شروط العلاقة المهنية وإثبات حقوق والتزامات الطرفين، وهو ما قد يجعل وضع الأجير أكثر هشاشة عند وقوع نزاع مع المشغل أو عند الحاجة إلى إثبات بعض شروط العمل.
ولا يعني غياب العقد المكتوب، من الناحية القانونية، أن علاقة الشغل غير موجودة أو غير مشروعة تلقائياً، إذ يمكن إثبات علاقة الشغل بوسائل أخرى وفق المقتضيات القانونية الجاري بها العمل. غير أن ضعف توثيق العلاقات المهنية يظل مؤشراً لافتاً على استمرار الهشاشة داخل سوق شغل يفترض أنه يخضع منذ سنة 2004 لمدونة وضعت لتنظيم العلاقة بين الأجراء والمشغلين.
وتعيد هذه المعطيات النقاش حول حصيلة سياسات التشغيل إلى نقطة تتجاوز عدد فرص العمل المحدثة نحو طبيعتها وجودتها ومدى استقرارها، إذ لا يكفي ارتفاع عدد العاملين إذا ظلت نسبة مهمة منهم تشتغل في علاقات مهنية غير موثقة كتابة.
كما تطرح الأرقام سؤالاً حول مدى قدرة السياسات العمومية وبرامج إدماج الشباب وتشجيع الاستثمار على إنتاج فرص شغل لائقة ومستقرة، بدل الاكتفاء بالمؤشرات الكمية المتعلقة بعدد المناصب المحدثة أو المستفيدين من برامج التشغيل.
ويعيد رقم المجلس كذلك إلى الواجهة النقاش بشأن فعالية آليات مراقبة تطبيق التشريع الاجتماعي، ومدى قدرة أجهزة تفتيش الشغل على مواكبة سوق يعرف تفاوتاً كبيراً بين المقاولات المنظمة والأنشطة التي تستمر فيها علاقات الشغل الهشة أو غير الموثقة.
وتزداد دلالة هذه المعطيات في ظل النقاش المتواصل حول إصلاح مدونة الشغل، لأنها تبرز أن التحدي لا يرتبط فقط بمراجعة النصوص القانونية، بل أيضاً بمدى تنزيل القواعد الموجودة فعلياً داخل المقاولات وضمان احترام الحقوق الأساسية للأجراء.
وبذلك، تكشف خلاصات المجلس أن معركة التشغيل في المغرب لا تتعلق فقط بخفض معدل البطالة، بل أيضاً بتحسين جودة الوظائف وتقليص هشاشة العلاقات المهنية وتوسيع نطاق العمل المنظم والمحمي قانونياً.
وبعد 22 سنة على دخول مدونة الشغل حيز التنفيذ، يضع رقم 46 في المائة ملف جودة التشغيل من جديد في صلب النقاش العمومي، ويطرح سؤالاً مباشراً حول قدرة السياسات الحكومية على الانتقال من التركيز على عدد فرص الشغل إلى ضمان استقرارها وجودتها واحترام الحقوق الاجتماعية للأجراء.
