خرجت مشاركة المغربية ياسمين بوزيدي في اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب من مجرد اسم مدرج ضمن برنامج الأمم المتحدة إلى شهادة شخصية حملت إلى المنصة الأممية جرحاً مغربياً يعود إلى تفجير مقهى أركانة بمراكش سنة 2011، بعدما كشفت أنها فقدت والدها في الاعتداء وأن آثار تلك الخسارة رافقتها طوال سنوات.
وقالت بوزيدي، البالغة من العمر 22 سنة، في مداخلتها التي ألقتها أمس الجمعة 21 غشت 2026، إن فقدان والدها أدخلها في رحلة شخصية عميقة مع الحزن، لكنه جعلها تدرك أيضاً أهمية لحظات التذكر وتخليد الضحايا.
وبحسب التفريغ الآلي المصاحب لتسجيل الفعالية على منصة الأمم المتحدة، والذي تحذر المنصة من احتمال احتوائه على أخطاء ولا تعتبره سجلاً أممياً رسمياً، ظهرت بوزيدي ابتداءً من الدقيقة 20:52، باعتبارها رابع المتحدثين الذين تعاقبوا على تقديم شهاداتهم في فقرة «أصوات الضحايا» خلال الجزء الافتتاحي من الفعالية.
وشاركت بوزيدي في الفقرة إلى جانب جوزيف فايفر من الولايات المتحدة، وسيناب ورسامي من الصومال، وراشيل غولدبرغ-بولين من إسرائيل والولايات المتحدة، وفق البرنامج الرسمي لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب.
ولم تتوقف الشهادة المغربية عند استعادة الألم، إذ وضعت بوزيدي معنى تخليد الذكرى داخل سؤال أوسع يتعلق بكرامة الضحايا، معتبرة أن تذكرهم لا ينبغي أن يكون مجرد عودة إلى الحزن، بل وسيلة لإبقاء كرامتهم الإنسانية حاضرة وبناء التضامن في مواجهة الإرهاب.
واعتبرت أن الاحتفاظ بذاكرة الضحايا وتكريمها يمكن أن يشكلا، بحسب مضمون شهادتها، درعاً جماعياً من التضامن والقوة، قبل أن تنتقل إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش الحالي حول ضحايا الإرهاب: ما يحدث لصورهم وقصصهم بعد انتقالها إلى العالم الرقمي.
وحذرت بوزيدي من أن المنصات الرقمية قد تتحول إلى مصدر جديد للأذى، بسبب خطر إعادة تعريض الضحايا وعائلاتهم للصدمة، أو استعمال صورهم وقصصهم خارج سياقها وتجريدها من معناها الحقيقي.
وربطت حماية الذاكرة في العصر الرقمي بحماية حقيقة حياة الأشخاص الذين فقدهم الضحايا، معتبرة أن التعامل مع هذه القصص ينبغي أن يتم باحترام وعناية حتى تظل الذاكرة الجماعية طريقاً نحو التعافي، لا سبباً في إنتاج ألم جديد.
وفي واحدة من أكثر جمل مداخلتها اختصاراً للرسالة التي حملتها إلى الأمم المتحدة، قالت بوزيدي، وفق ترجمة لشهادتها التي ألقتها باللغة الإنجليزية: «قصصنا مهمة».
وأضافت في ختام شهادتها أن تكريم الضحايا بكرامة يعني اختيار الصمود، وأن الإرهاب لا يستطيع انتزاع إنسانية من عانوا من آثاره.
وتكتسب المداخلة أهمية إضافية لأنها تكشف بصورة مباشرة الخلفية الشخصية وراء حضور بوزيدي في الأنشطة الدولية المرتبطة بضحايا الإرهاب، وتوضح التجربة الإنسانية التي تقف خلف مشاركتها في الدفاع عن ذاكرة الضحايا وكرامتهم.
واختارت الأمم المتحدة لمناسبة هذه السنة شعار «التعافي من خلال الذاكرة»، معتبرة أن التذكر والتخليد لا يتعلقان بالنظر إلى الماضي فقط، بل يمكن أن يؤديا دوراً في الاعتراف بالضحايا ودعم تعافي الناجين وتقوية التضامن الاجتماعي.
وتعيد شهادة بوزيدي إلى الواجهة تفجير مقهى أركانة في ساحة جامع الفنا بمراكش، الذي وقع يوم 28 أبريل 2011 وخلف 17 قتيلاً و20 جريحاً من جنسيات مختلفة، في واحدة من أبرز الهجمات الإرهابية التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة.
وتشير معطيات جمعية ضحايا الإرهاب الفرنسية إلى أن ياسين بوزيدي، البالغ من العمر 32 سنة والأب لطفل صغير، كان من بين الضحيتين المغربيتين اللتين قُتلتا في الاعتداء، وهي معطيات تنسجم مع شهادة ياسمين بشأن فقدان والدها في الاعتداء.
كما توثق الجمعية، في مادة أخرى مرتبطة بإحياء ذكرى الاعتداء، مشاركة ياسمين وشقيقتها لمياء إلى جانب والدتهما في مراسم تخليد ضحايا أركانة بمراكش.
وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على تفجير أركانة، انتقلت قصة فقدان بدأت في قلب مراكش إلى منصة الأمم المتحدة، لكن بوزيدي لم تقدمها باعتبارها مجرد استعادة لمأساة قديمة، بل باعتبارها جزءاً من نقاش جديد حول كيفية حفظ قصص الضحايا، وصون ذاكرتهم، ومنع الفضاء الرقمي من تحويل الألم الإنساني إلى مادة قابلة لإعادة الاستعمال خارج إرادة أصحابه.
ومن هنا جاءت رسالتها المختصرة أمام الأمم المتحدة: «قصصنا مهمة»، وهي جملة نقلت بها تجربة شخصية مرتبطة بأحد أكثر الاعتداءات حضوراً في الذاكرة المغربية إلى نقاش عالمي حول الكرامة والذاكرة والتعافي بعد الإرهاب.
