لم يعد النقاش حول أزمة المواشي وغلاء اللحوم، في خطاب فوزي لقجع، مجرد حديث عن الأسعار أو المضاربة أو اختلالات السوق. فالوزير المنتدب المكلف بالميزانية وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة اختار واحداً من أثقل الأوصاف في القاموس السياسي والقانوني للدولة، حين تحدث عن «الإرهابيين الحقيقيين»، فاتحاً بذلك أسئلة تتجاوز بكثير ثمن كيلوغرام اللحم.
وخلال لقاء تواصلي لحزب الأصالة والمعاصرة بجماعة أولاد ناصر بإقليم الفقيه بن صالح، الخميس 27 غشت 2026، توقف لقجع عند القدرة الشرائية وارتفاع أسعار اللحوم، قائلاً إنه لا يمكن ترك المغاربة يشترون اللحم بـ150 أو 160 درهماً للكيلوغرام، قبل أن يصف من اتهمهم بتحويل فرحة عيد الأضحى إلى حالة من الانشغال والقلق لدى الأسر المغربية بـ«الإرهابيين الحقيقيين».
والكلمة هنا ليست عادية.
ففي المغرب، لا يمثل «الإرهاب» مجرد نعت سياسي قاسٍ يمكن وضعه إلى جانب المضاربة أو الاحتكار أو «الفراقشية»، بل مفهوماً يحمل حمولة جنائية وأمنية شديدة الدقة. فالفصل 218-1 من مجموعة القانون الجنائي يعتبر أفعالاً محددة إرهابية متى ارتبطت عمداً بمشروع فردي أو جماعي يستهدف المس الخطير بالنظام العام بواسطة التخويف أو الترهيب أو العنف.
ولا يعني ذلك أن لقجع كان بصدد توجيه اتهام قضائي بالإرهاب إلى أشخاص بعينهم، فسياق كلامه وطريقة استعمال العبارة يجعلانها أقرب إلى توصيف بلاغي شديد اللهجة. لكن هذا التمييز نفسه يجعل السؤال مشروعاً: لماذا انتقل مسؤول حكومي وقيادي حزبي من قاموس الأسعار والاحتكار والمضاربة إلى قاموس «الإرهاب»؟
ويزداد ثقل العبارة بالنظر إلى توقيتها، إذ جاء التصريح وسط مواجهة سياسية متصاعدة بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، وبعد تداول تسجيل صوتي منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي تضمن حديثاً عن «الترهيب والترغيب» في سياق استقطاب سياسيين ومنتخبين.
هذا السياق جعل عبارة لقجع تُقرأ أيضاً داخل السجال الدائر بين الحزبين، من دون وجود تصريح مباشر منه يؤكد أن كلامه كان رداً على التسجيل المتداول.
وهنا ينتقل التصريح من الاقتصاد إلى السياسة.
فإذا كان المقصود مجرد التنديد بالمضاربين أو الوسطاء الذين استغلوا السوق، فإن القاموس السياسي والاقتصادي يوفر عشرات الأوصاف الممكنة. أما اختيار كلمة بحجم «الإرهابيين»، فيطرح سؤالاً حول مستوى التصعيد الذي بلغه الخطاب السياسي قبل الانتخابات، وحدود استعمال مفاهيم شديدة الحساسية في توصيف اختلالات اقتصادية أو داخل سجالات حزبية.
لكن السؤال الأثقل يظل مرتبطاً بالجهات التي يقصدها لقجع تحديداً.
فعندما يقول وزير في الحكومة إن هناك من حوّلوا عيد المغاربة إلى قلق بسبب أسعار المواشي واللحوم، ويذهب إلى حد وصفهم بـ«الإرهابيين الحقيقيين»، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت القطاعات الحكومية وأجهزة الدولة تتوفر فعلاً على معطيات بشأن الجهات التي دفعت الأسعار إلى تلك المستويات، وإذا كانت هذه الجهات معروفة، فما الذي ترتب عن ذلك من مراقبة أو مساءلة أو إحالة على الجهات المختصة.
وتزداد حساسية هذه الأسئلة لأن المتحدث ليس قيادياً حزبياً يوجد خارج دوائر القرار. فلقجع يشغل منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، وهو جزء من الحكومة التي عبأت الموارد المالية لمواجهة أزمة القطيع وغلاء اللحوم، واعتمدت إجراءات شملت دعم الاستيراد والإعفاءات الجمركية، قبل الانتقال إلى برنامج واسع لإعادة تكوين القطيع.
وبلغ الغلاف المالي المرصود لبرنامج إعادة تكوين القطيع الوطني نحو 12.8 مليار درهم على مدى سنتي 2025 و2026، وفق معطيات قدمها وزير الفلاحة في جواب كتابي عن سؤال برلماني.
ولهذا لا يمكن فصل عبارة «الإرهابيين الحقيقيين» تماماً عن سؤال الحصيلة.
فإذا كانت الأزمة قد بلغت مستوى دفع مسؤولاً حكومياً إلى استعمال هذا الوصف، فإن النقاش لا يعود متعلقاً فقط بمن ضارب في ثمن الخروف أو اللحم، بل أيضاً بمدى فعالية السياسات العمومية التي كان يفترض أن تحد من وصول السوق إلى هذه النتيجة.
ومن هذه الزاوية يصبح تصريح لقجع سلاحاً سياسياً ذا حدين.
فهو يظهر في هذا الخطاب، من جهة، مدافعاً عن القدرة الشرائية في مواجهة من تسببوا في الغلاء، لكنه يعيد، من جهة أخرى، فتح ملف تدبير أزمة المواشي أمام حكومة يشكل أحد أعضائها، ويتولى داخلها قطاعاً مركزياً مرتبطاً بتمويل السياسات العمومية.
أما استعمال كلمة «الإرهاب»، فيرفع سقف المسؤولية أكثر.
لأن المسؤول السياسي يستطيع انتقاد المضاربين والمحتكرين، ومساءلة السياسات والنتائج، لكن عندما يصل الخطاب إلى واحدة من أخطر الكلمات في التشريع والأمن والسياسة، يصبح السؤال أكبر من قوة العبارة نفسها:
هل نحن أمام مجرد استعارة انتخابية قاسية، أم أمام اتهام سياسي بوجود جهات تسببت عمداً في ضرب القدرة الشرائية للمغاربة؟
وفي الحالة الثانية، لن يعود المطلوب وصفهم بـ«الإرهابيين الحقيقيين»، بل تحديد من هم، وكيف اشتغلوا، ومن تركهم يفعلون ذلك، وماذا فعلت الدولة لمحاسبتهم.
