بقلم: الباز عبدالإله
يضع أحدث تقرير للبنك الدولي حول إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية بالمغرب أرقاماً لافتة أمام عدد من مؤشرات النتائج الرئيسية، بعدما ظل عدد المؤسسات والمقاولات العمومية المحتسبة ضمن خانة «إعادة الهيكلة» عند 0 مؤسسة من أصل 22 مستهدفة إلى غاية 24 أبريل 2026، ضمن برنامج بقرض أصلي قيمته 350 مليون دولار ويمتد إلى يونيو 2029.
ويهدف برنامج «دعم تنفيذ إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية بالمغرب» إلى تحسين الحكامة وإعادة الهيكلة والحياد التنافسي وتتبع أداء المؤسسات المملوكة للدولة، فيما يظهر تقرير حالة التنفيذ والنتائج، المؤرشف بتاريخ 21 ماي 2026، أن المؤشرات الأربعة العليا المرتبطة مباشرة بهدف البرنامج لم تكن قد سجلت بعد انتقالاً رقمياً عن نقطة الانطلاق في آخر قياس منشور.
ويبرز التقرير أن المؤشر المركب الخاص بتحسين ممارسات الحكامة داخل المؤسسات العمومية ظل عند 0 مقابل هدف نهائي يبلغ 100، فيما بقي عدد المؤسسات والمقاولات العمومية المسجلة باعتبارها «معاد هيكلتها» عند 0 مقابل 22 مؤسسة مستهدفة بحلول يونيو 2029.
كما ظل المؤشر المتعلق بالمؤسسات التي جرى فيها تحديد التزامات الخدمة العمومية واحتساب كلفتها وتمويلها بشفافية عند 0 من أصل 3 مؤسسات مستهدفة، بينما بقي عدد المؤسسات التي تعتمد معايير مرتفعة في التقارير المالية أو المناخية عند 0 مقابل هدف نهائي يبلغ 32 مؤسسة.
وتتسع قائمة المؤشرات التي لم تسجل تقدماً رقمياً في التقرير لتشمل نشر تقارير الاستدامة والمعايير البيئية والاجتماعية والحكامة «ESG»، حيث بقي العدد عند 0 مقابل خمس مؤسسات مستهدفة، إلى جانب 0 مقابل 10 في الحالات والآراء أو الدراسات التي يعالجها مجلس المنافسة والمتعلقة بالمؤسسات العمومية أو القطاعات التي تعرف مساهمة للدولة، و0 مقابل 3 بالنسبة إلى المؤسسات التي يفترض أن تعتمد برامج للامتثال لقانون المنافسة.
ولا تعني هذه الأصفار أن إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية متوقف بالكامل، إذ يسجل التقرير نفسه خطوات تحققت بالفعل، من بينها اعتماد ونشر سياسة مساهمات الدولة، وتكوين موظفين من مديرية المنشآت العامة والخوصصة والوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أدائها، إلى جانب اعتماد توجيهات خاصة بتصفية المؤسسات العمومية.
كما يسجل التقرير أن المفتشية العامة للمالية تحققت من نتائج مرتبطة بأولى عمليات إعادة الهيكلة ضمن مؤشرات الصرف، وكان منتظراً أن تتيح هذه النتائج طلب دفعات خلال يونيو 2026. غير أن هذا التقدم المرحلي لم يكن قد انعكس بعد على مؤشر النتيجة النهائي، إذ ظل عدد المؤسسات المحتسبة رسمياً ضمن خانة «المؤسسات المعاد هيكلتها» عند 0 من أصل 22 مستهدفة.
وتكشف هذه المعطيات عن فارق بين التقدم المسجل في بعض الإجراءات المرحلية والنتائج المرتبطة بالصرف من جهة، وبين المؤشرات النهائية التي سيقاس بها نجاح البرنامج من جهة أخرى، إذ لم تكن أي مؤسسة، في تاريخ القياس المنشور، قد دخلت بعد ضمن خانة المؤسسات الـ22 المحتسبة باعتبارها «معاد هيكلتها».
ويظهر الجانب المالي أن البنك الدولي وافق في يونيو 2024 على قرض أصلي بقيمة 350 مليون دولار، بينما يعرض تقرير ماي 2026 قيمة معدلة قدرها 378.75 مليون دولار، منها 103.76 ملايين دولار مصروفة، أي ما يعادل 27.4 في المائة من القيمة المعدلة الظاهرة داخل التقرير.
وسجل التقرير أيضاً أن إعداد خطة لتدبير الموارد البشرية المخصصة لمعالجة الآثار الاجتماعية المحتملة على المستخدمين الذين قد تشملهم إعادة الانتشار أو المغادرة ضمن عمليات إعادة الهيكلة لم يبدأ بعد.
غير أن البنك الدولي لم يصنف هذا الإجراء باعتباره متأخراً، إذ وضعه في خانة «لم يحن موعده بعد»، موضحاً أن الخطة يفترض إعدادها قبل إطلاق عمليات إعادة الهيكلة التي قد تكون لها انعكاسات اجتماعية على العاملين.
ولا يصنف البنك الدولي البرنامج باعتباره متعثراً في مجمله، بل أبقى تقييم التقدم نحو تحقيق أهدافه وتقييم التنفيذ العام عند مستوى «مرضٍ» Satisfactory، في وقت ظل فيه التصنيف العام للمخاطر عند مستوى «مرتفع نسبياً» Substantial.
كما أن الموعد الرسمي لإغلاق البرنامج محدد في 29 يونيو 2029، ما يعني أن الآجال النهائية لتحقيق الأهداف لم تحن بعد، وأن أرقام أبريل 2026 تعكس وضعية مرحلية للبرنامج وليست حصيلة نهائية له.
وتضع هذه المعطيات صورة أكثر تعقيداً لإصلاح المؤسسات العمومية قبل دخول البرنامج مراحله المتقدمة، إذ تحققت خطوات قانونية ومؤسساتية ونتائج مرحلية مرتبطة بالصرف، بينما ظلت في آخر قياس منشور مؤشرات جوهرية، بينها إعادة هيكلة 22 مؤسسة، وتحسين الحكامة، وشفافية التزامات الخدمة العمومية، ورفع معايير التقارير المالية والمناخية، عند نقطة الانطلاق.
وتبرز المفارقة الأساسية في أن المؤشرات العليا التي سيُقاس عبرها النجاح النهائي للبرنامج لم تكن قد سجلت بعد تقدماً رقمياً في أبريل 2026، مقابل تحرك عدد من الإجراءات القانونية والمؤسساتية والمالية في الخلفية، وهو ما يجعل الفترة المتبقية إلى يونيو 2029 حاسمة في تحويل الإصلاح من إجراءات وتمهيد مؤسساتي إلى نتائج قابلة للقياس داخل المؤسسات والمقاولات العمومية نفسها.
