بقلم: الباز عبدالإله
وضعت بعثة الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا عدداً من الجوانب المرتبطة بالانتخابات التشريعية المغربية المقررة يوم 23 شتنبر 2026 تحت المجهر، بعدما سجلت أن حدود الدوائر الانتخابية لم تخضع لمراجعة شاملة منذ سنة 2011 رغم التحولات الديمغرافية، وهو ما أدى، بحسب البعثة، إلى وجود «اختلافات مهمة» في وزن الأصوات بين الدوائر.
البيان، الصادر اليوم الأربعاء 2 شتنبر 2026 عقب زيارة بعثة ما قبل الانتخابات إلى الرباط، اعتبر أن هذه المسألة ذات طبيعة هيكلية، داعياً إلى إعادة النظر فيها بعد الاقتراع المقبل بما يعزز مبدأ المساواة في التصويت.
وتكونت البعثة من خمسة أعضاء يمثلون تيارات سياسية مختلفة داخل الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، وزارت المغرب ما بين 31 غشت و2 شتنبر بدعوة من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، حيث أجرت لقاءات مع السلطات المكلفة بتدبير ومراقبة الانتخابات، وممثلين عن المجتمع المدني والإعلام والبعثات الدبلوماسية.
وأكدت البعثة أن مهمتها خلال الزيارة تمثلت في الاستماع إلى مختلف الأطراف والاطلاع على التحضيرات الجارية، وليس إصدار أحكام مسبقة بشأن العملية الانتخابية، مشيدة في الوقت نفسه بالتجربة التي راكمها المغرب في تنظيم الانتخابات وبالتقدم المسجل في التحضير لاقتراع 23 شتنبر.
غير أن البعثة وضعت مسؤولية الإدارة الانتخابية في صلب مسألة الثقة في العملية السياسية، مسجلة أن وزارة الداخلية والإدارة الترابية تتوليان مسؤولية تدبير الانتخابات.
واعتبرت أن ثقة المواطنين تقتضي أن تكون العملية الانتخابية، وأن تظهر أيضاً أمام الرأي العام، مستقلة ومحايدة ونزيهة، مع ضمان شفافية القرارات والمساواة في معاملة مختلف المتنافسين.
ودعت البعثة في هذا السياق إلى وجود فصل واضح بين أنشطة الدولة وأنشطة الأحزاب السياسية، بما يمنع أي خلط بين العمل الإداري العمومي والمنافسة الحزبية خلال الفترة الانتخابية.
كما شددت على ضرورة التحقيق بسرعة وفعالية في أي استعمال محتمل للموارد العمومية لأغراض انتخابية، أو خروقات مرتبطة بتمويل الحملات، أو ادعاءات بشأن شراء الأصوات.
ولم تقتصر ملاحظات البعثة على الإدارة والدوائر الانتخابية، إذ سجلت أيضاً تحدياً يتعلق بحجم المشاركة السياسية، مشيرة إلى أن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية يناهز 15.8 مليون مواطن، وهو رقم اعتبرته أقل بكثير من العدد التقديري للسكان في سن التصويت.
وتوقفت الوثيقة بشكل خاص عند مشاركة الشباب، بعدما أشارت إلى أنهم لا يمثلون سوى نحو 3 في المائة من مجموع المسجلين، داعية مختلف الفاعلين إلى تكثيف جهود التعبئة والتوعية الانتخابية، خصوصاً في صفوف النساء والشباب.
كما فتحت البعثة ملف مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات، معتبرة أن مشاركتهم الفعلية ما تزال محدودة في ظل غياب مكاتب اقتراع بالخارج واضطرار الناخبين المسجلين إما إلى العودة إلى المغرب أو التصويت بالوكالة.
ورأت أن اعتماد الوكالة الإلكترونية الجديدة قد يسهل المشاركة، لكنها دعت إلى مراقبتها بعناية وضمان توفر آليات قوية لحماية سرية الاقتراع وحرية الاختيار ونزاهة العملية الانتخابية، مع اقتراح التفكير مستقبلاً في أشكال أكثر مباشرة للتصويت من الخارج.
وسجلت البعثة، في المقابل، مجموعة من الإجراءات التي اعتبرتها إيجابية، من بينها تخصيص 90 مقعداً جهوياً للنساء، وتقديم تحفيزات مالية للوائح التي يترأسها مرشحون لا يتجاوز عمرهم 35 سنة، إلى جانب رقمنة عدد من الإجراءات واعتماد قواعد جديدة تتعلق بالحملات عبر الإنترنت والتضليل والذكاء الاصطناعي.
غير أنها أكدت أن حرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات ينبغي أن تكون مضمونة بشكل كامل طيلة فترة الحملة الانتخابية، بما يسمح للناخبين والمرشحين والمجتمع المدني والصحافيين بالمشاركة الحرة في النقاش العمومي.
وأبدت البعثة اهتماماً خاصاً كذلك بالإصلاحات الانتخابية التي جرى اعتمادها في يناير 2026، معلنة أن مراقبيها سيتابعون كيفية تطبيق المقتضيات الجديدة المتعلقة بالأهلية والترشح، ومدى حفاظ التدابير الموجهة لمواجهة الأخبار الزائفة والتلاعب على حرية النقاش السياسي المشروع والعمل الصحفي والنقد.
واعتبرت أن تعددية المشهد الإعلامي لا تقاس فقط بحجم الوقت المخصص للأحزاب، وإنما أيضاً بعدالة التغطية ونبرتها واستقلالية التحرير ومدى إتاحة الوصول الفعلي للمعارضة والأحزاب الصغيرة.
ومن المرتقب أن تعود بعثة موسعة تضم 20 عضواً من الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا إلى المغرب يوم 23 شتنبر لمراقبة سير الاقتراع وتقييم العملية الانتخابية بشكل شامل وفق معايير مجلس أوروبا والالتزامات التي تعهد بها البرلمان المغربي في إطار وضعه كشريك من أجل الديمقراطية.
