بقلم: الباز عبدالإله
كشفت وثيقة رسمية إسبانية، نُشرت اليوم الأربعاء 2 شتنبر 2026، تفاصيل مالية دقيقة لحزمة التدخل التي أقرتها مدريد عقب أزمة العبور الجماعي إلى سبتة، بعدما عبأت الحكومة حزمة بقيمة 309 ملايين يورو لمواجهة التداعيات الأمنية والإنسانية والاقتصادية، بينها أكثر من 74 مليون يورو لوزارة الدفاع، تتضمن اعتماداً بقيمة 10 ملايين يورو موجهاً إلى مركز الاستخبارات الوطني الإسباني «CNI».
ويتعلق الأمر بالمرسوم-القانون الملكي رقم 22/2026، المؤرخ في فاتح شتنبر والمنشور في الجريدة الرسمية الإسبانية، والذي وضع الإطار المالي للتدابير الاستثنائية المتخذة عقب دخول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز الماضي.
وتقدم الوثيقة صورة أكثر تفصيلاً من الأرقام السياسية التي أعلنتها الحكومة الإسبانية، إذ حددت القيمة الإجمالية لخطة التدخل في 309 ملايين يورو خلال الأشهر الأربعة المتبقية من سنة 2026، أي ما يعادل، وفق الحكومة، نحو 16 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي لمدينة سبتة.
وتتوزع الخطة المعلنة على أربعة محاور رئيسية، تشمل 21 مليون يورو لتعزيز الخدمات الأساسية، و90 مليون يورو للمجال الأمني، و118 مليوناً للاستقبال والمساعدة الإنسانية، إضافة إلى 80 مليون يورو لدعم النشاط الاقتصادي والشركات والعمال.
غير أن القراءة التفصيلية للاعتمادات تكشف ثقلاً واضحاً للمكون العسكري والاستخباراتي داخل الاستجابة الإسبانية.
فقد خصص المرسوم لوزارة الدفاع اعتمادات إضافية بقيمة دقيقة تبلغ 74 مليوناً و33 ألفاً و475 يورو، موزعة بين تعويضات وتحفيزات للعاملين، والتجهيزات والإمدادات والنقل والاتصالات والاستثمارات العسكرية المرتبطة بالتشغيل.
وتشمل هذه الحزمة 9 ملايين يورو لتحفيزات الإنتاجية داخل وزارة الدفاع، وأكثر من 21.5 مليون يورو لتعويضات إضافية، فضلاً عن اعتمادات للوقود والأغذية والملابس والاتصالات والصيانة.
وتبرز داخل الجدول المالي للمرسوم خانة أخرى لافتة، بعدما خصصت مدريد 25 مليون يورو تحت بند «الاستثمارات العسكرية المرتبطة بالتشغيل العملياتي للخدمات».
أما المعطى الأكثر حساسية سياسياً فيتمثل في تخصيص 10 ملايين يورو لفائدة مركز الاستخبارات الوطني الإسباني «CNI».
وتحدد الوثيقة هذه الاعتمادات في إطار برنامج متعلق بـ«تقديم المشورة لحماية المصالح الوطنية»، مع السماح بإعادة توزيع المبلغ داخل ميزانية المركز وفق الاحتياجات المرتبطة بتنفيذ التدابير التي ينص عليها المرسوم.
ولا تتوقف الاعتمادات عند المؤسسة العسكرية، إذ أقر النص أيضاً موارد إضافية لوزارة الداخلية مرتبطة بالخدمات الاستثنائية التي قدمتها الأجهزة الأمنية خلال الأزمة.
وخصص المرسوم أكثر من 7.13 ملايين يورو كمكافآت استثنائية لعناصر الشرطة الوطنية، إلى جانب اعتمادات للتجهيزات والاستثمارات المرتبطة بعملها، كما رصد نحو 4.84 ملايين يورو كمكافآت لعناصر الحرس المدني، إضافة إلى 3.4 ملايين يورو للاستثمارات التشغيلية التابعة للجهاز.
أزمة سبتة تفتح اعتمادات استثنائية داخل ميزانيات الدفاع والأمن والاستخبارات
الشق الإنساني يحضر بدوره بقوة في المرسوم، إذ خصصت إسبانيا أكثر من 53.4 مليون يورو لزيادة القدرة المؤقتة على الاستقبال وتغطية الاحتياجات الأساسية للمهاجرين، بما يشمل الإيواء والخدمات والمستلزمات المرتبطة بتدبير الأزمة.
كما أقر النص اعتماداً استثنائياً بقيمة 62 مليوناً و958 ألف يورو لوزارة الشباب والطفولة، مخصصاً حصراً لرعاية الأطفال والمراهقين المهاجرين غير المصحوبين الموجودين بمدينة سبتة.
الحكومة الإسبانية قدمت الحزمة المرتبطة بالقاصرين في بلاغها السياسي بقيمة تناهز 63.6 مليون يورو، موضحة أن نظام حماية الطفولة في المدينة أصبح يتكفل بنحو 1500 قاصر مهاجر غير مصحوب.
وتكشف هذه الأرقام أن التداعيات التي خلفتها أحداث نهاية يوليوز لم تعد بالنسبة إلى مدريد مجرد ملف مؤقت مرتبط بتدبير تدفقات الهجرة، بل تحولت إلى إعادة توزيع فعلية لعشرات الملايين داخل ميزانيات الدفاع والأمن والاستخبارات والعدل والصحة وسياسات الطفولة.
ويضيف البعد الاقتصادي رقماً آخر إلى حجم الأزمة، بعدما رصدت الحكومة الإسبانية 80 مليون يورو لدعم الشركات والعمال في سبتة، تشمل مساعدات مباشرة وتدابير ضريبية وتحفيزات للتجارة والسياحة.
وتقول مدريد إن 36.6 مليون يورو ستخصص في شكل مساعدات مباشرة للشركات والعاملين لحسابهم الخاص، مع استهداف نحو 2500 عامل مستقل وحوالي 1500 شركة.
وتأتي هذه التدابير بعد أكثر من شهر على أزمة 30 و31 يوليوز، التي دفعت السلطات الإسبانية إلى نشر تعزيزات أمنية وعسكرية وفتح منشآت جديدة لاستقبال المهاجرين وتسريع إجراءات تحديد الهوية واللجوء والعودة.
وتمنح الوثيقة المنشورة في الجريدة الرسمية الآن صورة مالية أكثر وضوحاً لحجم التداعيات، إذ لا يتعلق الأمر فقط بمصاريف استقبال المهاجرين أو دعم اقتصاد سبتة، بل بخطة تمتد إلى الدفاع والاستثمارات العسكرية وجهاز الاستخبارات.
وبذلك تتحول أزمة حدودية استمرت ذروتها أياماً قليلة إلى حزمة تدخل بقيمة 309 ملايين يورو خلال أربعة أشهر، بينما تكشف تفاصيلها أن مدريد وضعت الأمن والدفاع والاستخبارات في قلب الاستجابة التي ستؤطر المرحلة التالية في سبتة.
