وضعت وثيقة خاصة أعدها عدد من النواب الأوروبيين الاستراتيجية المغربية لجذب الاستثمارات الصينية تحت المجهر، بحسب ما كشفته صحيفة «EL ESPAÑOL-Invertia» التي قالت إنها اطلعت على الوثيقة، محذرة من انعكاسات محتملة على الأمن والاقتصاد والسيادة التكنولوجية الأوروبية، بعدما قدرت التزامات الاستثمارات الصينية في البطاريات والمواد الحرجة ومكونات السيارات الكهربائية بالمغرب منذ سنة 2023 بنحو 10 مليارات يورو.
وكشفت صحيفة «EL ESPAÑOL-Invertia»، الجمعة 4 شتنبر 2026، أنها اطلعت على الوثيقة، مشيرة إلى أن مصادر في بروكسيل تصنفها ضمن «التأملات» الداخلية التي تستعملها المجموعات السياسية لتكوين مواقف واتجاهات قد تسبق اتخاذ قرارات سياسية. ولا تمثل الوثيقة، وفق المعطيات المنشورة، موقفاً رسمياً صادراً عن البرلمان الأوروبي أو الاتحاد الأوروبي.
وتذهب الوثيقة إلى توصيف شديد الحساسية للعلاقة بين الرباط وبكين، إذ تعتبر أن المغرب ليس شريكاً معادياً للكتلة الغربية، لكنها تصفه بأنه «غير موثوق هيكلياً»، معتبرة أن تعميق علاقاته مع الصين يطرح، من وجهة نظر معديها، مخاطر تتصل بالأمن والاقتصاد والاستقلال الاستراتيجي والتكنولوجي لأوروبا.
وتركز الوثيقة على ما تعتبره استراتيجية مغربية مقصودة لاستقطاب رؤوس الأموال والقدرات الصناعية الصينية، مستفيدة من موقع المملكة واتفاقيات التجارة الحرة التي تربطها بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لتتحول البلاد إلى منصة صناعية قادرة على إدماج منتجات ومكونات صينية داخل سلاسل القيمة الغربية.
وتقدر الوثيقة حجم التزامات الاستثمارات الصينية منذ سنة 2023 في قطاعات البطاريات والمواد الحرجة ومكونات السيارات الكهربائية بنحو 10 مليارات يورو، مع تركيز صناعي متزايد في طنجة تيك والقنيطرة والجرف الأصفر.
ويرى معدو الوثيقة أن هذه الاستثمارات لم تعد تقتصر على منطق التنمية الصناعية الوطنية، بل تحولت، بحسب توصيفهم، إلى ما يشبه «التثليث التجاري» الذي يسمح للشركات الصينية بالاندماج في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالأسواق الغربية من قاعدة إنتاج موجودة داخل المغرب.
وتنتقل الوثيقة من الصناعة إلى التكنولوجيا والاتصالات، مسلطة الضوء على حضور شركات صينية من بينها Huawei وZTE داخل البنية التحتية للاتصالات المغربية، ومعتبرة أن وجود معدات تكنولوجية صينية بالقرب من مناطق تدريب عسكري أو مسارات اتصالات حساسة قد يخلق، من وجهة نظرها، مخاطر مرتبطة بالأمن السيبراني واعتراض الاتصالات وتحديد المواقع.
وتورد الوثيقة أيضاً اسم شركة Hikvision الصينية، متحدثة عن استخدام تقنيات مرتبطة بالمراقبة الحضرية في مدن مغربية من بينها الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش وفاس، وتطرح فرضية إمكانية وصول أجهزة الاستخبارات الصينية إلى بعض البيانات. وتظل هذه المخاوف تقديرات واردة في الوثيقة نفسها، ولم تقدم الصحيفة ما يثبت وقوع عمليات تجسس فعلية داخل المغرب.
ولا تقف التحذيرات عند التكنولوجيا، إذ تربط الوثيقة بين تعاظم الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري الصيني للمغرب وبين اتساع هامش استقلال الرباط في علاقاتها مع بروكسيل، معتبرة أن هذا التحول قد يقلل من درجة اعتماد المغرب على الاتحاد الأوروبي ويوسع هامش استقلال قراره الاقتصادي.
وتذهب الوثيقة أبعد من ذلك حين تتحدث عن احتمال استعمال مراقبة الهجرة أو استقرار الحدود كورقة تفاوضية خلال فترات الخلاف مع أوروبا، وهو استنتاج سياسي صادر عن معدي الوثيقة وليس واقعة مثبتة أو موقفاً رسمياً للاتحاد الأوروبي.
وتكتسب هذه النقطة حساسية إضافية بسبب تزامن نشر الوثيقة مع استمرار تداعيات أزمة سبتة نهاية يوليوز، التي أعادت ملف الحدود والهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية إلى قلب النقاش السياسي والأمني داخل إسبانيا.
كما تضع الوثيقة المجمع الشريف للفوسفاط وموقع المغرب في سوق الفوسفاط العالمي ضمن المعادلة الجديدة، معتبرة أن الجمع بين الاحتياطات المغربية من الفوسفاط والقدرة الصناعية والتكنولوجية الصينية في معالجة المواد ومكونات البطاريات يمكن أن يمنح محور الرباط-بكين ثقلاً أكبر في قطاعات ترتبط بالأمن الغذائي والانتقال الطاقي الأوروبي.
وتبرز أهمية هذه القراءة بالنسبة إلى المغرب في كون الاستراتيجية الصناعية التي تقوم على جذب الاستثمارات الأجنبية وتنويع الشركاء وخلق أقطاب جديدة للبطاريات والسيارات الكهربائية، أصبحت في المقابل موضع قراءة أمنية وسياسية داخل بعض الدوائر البرلمانية الأوروبية.
فالاستثمارات نفسها التي تراهن عليها الرباط لتعزيز موقع المغرب داخل سلاسل صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات، وتوسيع هامش اختياراته الاقتصادية، تتحول في الوثيقة الجديدة إلى مصدر قلق بشأن حجم اعتماد أوروبا مستقبلاً على مكونات صينية منتجة في الأراضي المغربية، ومدى قدرة القواعد التجارية الأوروبية الحالية على التعامل مع هذا التحول.
ولا تعني الوثيقة أن الاتحاد الأوروبي اتخذ موقفاً رسمياً ضد الاستثمارات الصينية في المغرب، كما لا تتضمن المعطيات المنشورة قراراً أوروبياً أو إجراءً عقابياً في حق الرباط، لكنها تكشف انتقال النقاش من تقييم اقتصادي للاستثمارات الصينية إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بالأمن والسيادة التكنولوجية والحدود والهجرة.
وبين تمسك المغرب بتنويع شراكاته الاقتصادية، مع استمرار أهمية السوق الأوروبية بالنسبة إلى الاقتصاد المغربي، تكشف الوثيقة أن نجاح الرباط في استقطاب الرساميل الصينية بدأ يفرض على بعض الدوائر الأوروبية سؤالاً مغايراً: هل تستطيع بروكسيل الاحتفاظ بنفوذها التقليدي في المغرب بينما توسع المملكة هامش حركتها بين أوروبا والصين والولايات المتحدة؟
