انتقلت تصريحات مصطفى الإبراهيمي بشأن «270 طناً» من المخدرات من دائرة السجال الانتخابي إلى نطاق البحث القضائي، بعدما أمر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة بفتح بحث للوقوف على حيثيات وظروف حديث مرشح للانتخابات التشريعية عن إمكانية استعمال أموال متحصلة من كمية هامة من المخدرات للتأثير على العمليات الانتخابية.
هذا التطور يغيّر طبيعة الملف، إذ لم يعد النقاش محصوراً في مضمون تصريح سياسي أطلق خلال تجمع حزبي، بل أصبح مرتبطاً بمصدر المعطيات التي استند إليها صاحبه، ومدى توفره على عناصر أو قرائن يمكن التحقق منها قضائياً.
وكان الإبراهيمي قد تحدث عن كمية قال إنها تبلغ «270 طناً» من المخدرات، وربط العائدات المحتملة المتأتية منها بإمكانية التأثير على العملية الانتخابية والمؤسسات المنتخبة، قبل أن يتمسك بتصريحاته ويرفض الكشف عن الجهة التي يقصدها أو مصدر المعلومات التي بنى عليها كلامه، مكتفياً بالقول إن «من لهم الاختصاص يمكنهم التحقيق في ذلك ومعرفة الجهة التي قامت بهذا الفعل».
وبعد ساعات من هذه التصريحات، أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة فتح بحث قضائي بشأن ما جرى تداوله، موضحاً أن الغاية منه تتمثل في الوقوف على حيثيات وظروف التصريح وترتيب الآثار القانونية اللازمة، في إطار السهر على سلامة العملية الانتخابية وضمان التطبيق السليم للقانون.
ويضع البحث رواية الإبراهيمي أمام اختبار مباشر. فإذا تبين أنه يتوفر على معطيات جدية، فقد يتجاوز الأمر التحقق من مضمون تصريحاته إلى فحص الوقائع التي تحدث عنها، ومصدر الأموال المفترضة ومساراتها والجهات التي يمكن أن تكون مرتبطة بها، فضلاً عن تحديد ما إذا كانت هناك فعلاً محاولة لاستعمال موارد غير مشروعة للتأثير على إرادة الناخبين.
وحال أظهرت الأبحاث مؤشرات تدعم هذه الرواية، فقد يتحول الملف من مجرد تدقيق في أقوال مرشح انتخابي إلى قضية أوسع تتعلق بشبهات تمويل أو تأثير انتخابي غير مشروع، بما قد يفتح الباب أمام البحث في أطراف أخرى ومسارات مالية محتملة.
لكن الاحتمال المقابل لا يقل حساسية. فإذا لم يتمكن صاحب التصريحات من تقديم عناصر قابلة للتحقق تدعم ما أعلنه، سيبرز سؤال قانوني مختلف يتعلق بما إذا كانت الأقوال الصادرة عنه يمكن أن ترتب آثاراً أو مسؤوليات قانونية، خصوصاً بالنظر إلى خطورة مضمونها وصدورها خلال فترة انتخابية شديدة الحساسية.
وتزداد أهمية البحث لأن التصريحات لم تقتصر على شبهة عامة أو حديث غير محدد عن المال الانتخابي، بل تضمنت رقماً دقيقاً، إلى جانب ربط مباشر بين العائدات المفترضة لهذه الكمية وإمكانية التأثير على الصناديق الانتخابية والمؤسسات المنتخبة.
ولا يعني فتح البحث، في مرحلته الحالية، أن النيابة العامة أثبتت صحة ما ورد على لسان الإبراهيمي، كما لا يعني أنها خلصت إلى عدم صحته، بل إن الإجراء المعلن يهدف إلى التحقق من الوقائع وظروف التصريح ومدى استناده إلى معطيات يمكن إثباتها أو البناء عليها قانونياً.
الملف يقف بذلك أمام احتمالين واضحين: إما أن تقود هذه التصريحات إلى خيوط ومعطيات تفتح قضية انتخابية أوسع، أو أن تنتهي الأبحاث دون إثبات مضمونها، بما يطرح عندها سؤال الآثار القانونية الممكنة على صاحب التصريحات نفسه.
وبين الاحتمالين، يبقى الحسم رهين ما ستكشفه الأبحاث: هل يقود هذا الرقم إلى وقائع وأطراف ومسارات مالية قابلة للإثبات، أم يبقى في حدود تصريح انتخابي لم يقدم صاحبه ما يكفي لإسناده؟
الإبراهيمي قال إن «من لهم الاختصاص يمكنهم التحقيق»، والنيابة العامة تحركت بالفعل. ومن هذه اللحظة، لم تعد القضية مجرد سجال انتخابي، بل اختباراً للوقائع ومصادر المعلومات والمسؤوليات التي قد تكشف عنها نتائج البحث.
