فتح الدكتور علاء الدين بنهادي، الدبلوماسي السابق وأستاذ وباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، واحداً من أكثر السيناريوهات السياسية جرأة عشية الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، بعدما طرح صراحة تأجيل الاستحقاق وتشكيل حكومة كفاءات تنفيذية غير منتخبة تحت الإشراف المباشر للمؤسسة الملكية لولايتين متتاليتين على الأقل، من 2026 إلى 2036، قبل أن يعود خلال الحلقة نفسها ليضع هذه الأطروحة أمام مخاطرها الدستورية والسياسية ويحذر من أن تجاوز الفصل 47 أو تعليق الاختيار الديمقراطي قد يمس بالاستقرار المؤسساتي.
وجاء الطرح خلال الحلقة الثامنة عشرة من الموسم الثالث لبودكاست «الزمن السياسي»، حيث لم يكتف بنهادي بانتقاد أداء الأحزاب أو الصراع بين مكونات الأغلبية الحكومية، بل نقل النقاش إلى سؤال أعمق يتعلق بمدى قدرة النموذج الحزبي الحالي على مواكبة المشاريع الاستراتيجية للدولة، وما إذا كانت المرحلة المقبلة تحتاج إلى صعود نخبة «تكنوسياسية وطنية وإصلاحية» تجمع، وفق تصوره، بين الكفاءة التنفيذية والقدرة على مواكبة المشروع الاستراتيجي للمملكة.
وبنى بنهادي مداخلته على أطروحة تعتبر أن الأزمة لم تعد مرتبطة بحكومة أو حزب بعينه، وإنما بطريقة اشتغال الحقل السياسي نفسه، وبالفجوة التي يرى أنها تتسع بين حجم التحولات التي يعرفها المغرب وبين قدرة الأحزاب على إنتاج نخب وبرامج ومؤسسات قادرة على مواكبتها.
واستهل حديثه باستدعاء نقد فلسفي للديمقراطية نُسب إلى سقراط، متوقفاً عند مخاطر تحول الاختيار الشعبي إلى منافسة على استمالة العواطف بدلاً من اختيار الأكثر كفاءة، قبل أن يسقط هذه القراءة على الواقع المغربي، معتبراً أن المال الانتخابي واستقطاب الأعيان والترحال بين الأحزاب قد يحول الانتخابات من آلية لتجديد النخب إلى وسيلة لإعادة إنتاجها.
وأطلق بنهادي واحداً من أكثر توصيفاته حدة عندما أعاد قراءة عبارة «المغرب بسرعتين»، معتبراً أن مضمونها لا يقتصر، في نظره، على التفاوتات الاجتماعية والمجالية، بل يمتد إلى فجوة مؤسساتية بين سرعة المشاريع التي تقودها المؤسسة الملكية وبين إيقاع العمل الحزبي والتنفيذي.
وبحسب قراءته، تتحرك المؤسسة الملكية بإيقاع مرتفع في ملفات الموانئ والبنيات التحتية والماء والطاقة والصناعة والمشاريع الاستراتيجية الكبرى، بينما يظل جزء من المشهد الحزبي محكوماً، وفق وصفه، بالحسابات الانتخابية واستقطاب المرشحين والمنافسة على مواقع السلطة.
وأمام انتخابات 23 شتنبر، يرى بنهادي أن «سرعة ثالثة» ظهرت إلى جانب هاتين السرعتين، تتمثل فيما سماه «الجنون الانتخابي» المستند إلى المال ونفوذ الأعيان والبحث عن المرشحين الجاهزين للفوز، بدلاً من الاستثمار في تكوين النخب وبناء الأحزاب وتأهيل قيادات قادرة على تدبير الدولة.
وخص أحزاب الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها، التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، بانتقاد مباشر، معتبراً أن حدة الصراع التي ظهرت بينها خلال المرحلة الانتخابية تثير مفارقة سياسية، لأنها أحزاب أدارت الحكومة مجتمعة لخمس سنوات ثم عادت إلى تبادل الانتقادات وكأن بعضها لم يكن جزءاً من الأغلبية.
وتساءل، في هذا السياق، عما يمكن أن تقدمه هذه الأحزاب للمغاربة غداً إذا كانت تنتقد اليوم حصيلة وقطاعات كانت هي نفسها جزءاً من تدبيرها، معتبراً أن الاعتراف بالخطأ لا يكفي ما لم تقترن به المسؤولية والمحاسبة السياسية.
وتوقف بنهادي أيضاً عند ظاهرة الترحال السياسي، معتبراً أن اعتماد التنظيمات الحزبية على «المرشح الجاهز انتخابياً» يضعف وظيفة الحزب في التأطير وصناعة النخب، ويحول التزكية إلى أداة لاستقطاب أصحاب النفوذ الانتخابي أكثر مما يجعل منها نتيجة لمسار سياسي وتنظيمي.
وربط المتحدث هذا الوضع بتراجع ثقة جزء من الشباب والطبقة الوسطى والمتعلمين في السياسة والانتخابات، محذراً من أن انسحاب هذه الفئات من المشاركة يترك مساحة أوسع للزبونية والولاءات المحلية واستغلال الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية في التأثير على السلوك الانتخابي.
لكن أكثر لحظات الحلقة إثارة جاءت عندما انتقل بنهادي من تشخيص الأزمة إلى مناقشة حدود النموذج الدستوري القائم، مستحضراً الفصلين 42 و47 من دستور 2011.
وينص الفصل 47 على تعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، بينما يحدد الفصل 42 موقع الملك باعتباره رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها والحكم الأسمى بين مؤسساتها، والساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي.
وانطلاقاً من هذه الثنائية، طرح بنهادي سؤالاً شديد الحساسية حول ما يمكن أن يحدث عندما تنتج الانتخابات خريطة حزبية لا توفر، في تقديره، الكفاءات والانسجام والسرعة المطلوبة لإدارة مرحلة استراتيجية دقيقة.
وبلغ بنهادي أقصى درجات الجرأة في أطروحته عندما قال صراحة إنه يدعو إلى تأجيل انتخابات 23 شتنبر وتشكيل حكومة كفاءات تنفيذية غير منتخبة تحت الإشراف المباشر للمؤسسة الملكية «لولايتين متتاليتين على الأقل، 2026-2036»، بهدف ما وصفه بتطهير المشهد السياسي من الفساد وإنجاز المشاريع الاستراتيجية بعيداً عن التجاذبات الحزبية والهدر الزمني.
وربط هذا السيناريو باستكمال الأوراش السيادية والاجتماعية والاقتصادية الكبرى، من تنزيل الدولة الاجتماعية واستكمال المشاريع الصناعية والعسكرية إلى الملفات الاستراتيجية المرتبطة بالصحراء المغربية والمبادرة الأطلسية ومشاريع الطاقة والربط القاري.
غير أن الحلقة حملت مفارقة لافتة، إذ عاد بنهادي نفسه لاحقاً ليقرر أن تجاوز أحكام الفصل 47 أو تأجيل الاستحقاقات الانتخابية يحمل مخاطر سياسية ومؤسساتية، وليعتبر أن الخيار الأنجع يتمثل في «التطبيق المرن للدستور» عبر حكومات تقودها نخب كفؤة قادرة على الجمع بين الشرعية التمثيلية والفاعلية التكنوسياسية.
وبذلك لا ينتهي طرح بنهادي إلى مطالبة بسيطة بإلغاء الأحزاب أو الانتخابات، بقدر ما يضع الحقل السياسي أمام معادلة أكثر تعقيداً: كيف يمكن الحفاظ على الشرعية الانتخابية مع إنتاج حكومات قادرة على التحرك بسرعة وكفاءة توازي حجم الاستحقاقات التي تواجهها الدولة؟
ويضع صاحب «الزمن السياسي» النخبة التكنوسياسية الوطنية والإصلاحية في موقع محوري داخل تصوره للمرحلة المقبلة، معتبراً أنها قادرة، بدعم وتوجيه المؤسسة الملكية، على تسريع تنزيل الدولة الاجتماعية والمشاريع الصناعية والسيادية الكبرى وتعزيز موقع المغرب الإقليمي والدولي.
ووصف الفترة الممتدة بين 2026 و2036 باعتبارها فرصة لعقد تنموي جديد يمكن خلاله الجمع بين استقرار المؤسسات وتسريع القرار وتحسين كفاءة الأجهزة التنفيذية واستكمال الأوراش الكبرى.
كما وسع بنهادي دائرة نقده لتشمل الإعلام والمجتمع المدني والنخب الثقافية، رافضاً اختزال الفساد وضعف الوساطة في الأحزاب وحدها، ومعتبراً أن الاختلال امتد، بحسب تشخيصه، إلى أجزاء من الإعلام والنقابات والجمعيات وحتى بعض أنماط السلوك المجتمعي.
ووجّه انتقاداً حاداً إلى بعض المنابر الإعلامية التي قال إنها تنتقل من مهاجمة شخصيات سياسية إلى الدفاع عنها بحسب المصالح والتمويل، محذراً من أن تحول الإعلام من الرقابة إلى الابتزاز يضرب واحدة من أهم المساحات التي يفترض أن تحمي النقاش العمومي من التلاعب.
وبقدر ما كان بنهادي قاسياً مع الأحزاب، فإنه حذر أيضاً من وضع المؤسسة الملكية وحدها في مواجهة المطالب الاجتماعية والتحديات الاقتصادية والتقلبات اليومية للمواطنين.
واعتبر أن وجود مؤسسات منتخبة وأحزاب ذات مصداقية يمكن أن يشكل خط دفاع مؤسساتياً يوزع المسؤولية السياسية ويحمي التوازن بين الدولة والمجتمع، بما يجعل إصلاح الحياة الحزبية أكثر أهمية من مجرد تغيير الوجوه.
ووصل بنهادي في الجزء الأخير من الحلقة إلى استعارة رمزية من «ثورة الملك والشعب»، داعياً إلى ما وصفه بثورة سياسية ودستورية تجمع الملكية والنخب الوطنية الإصلاحية حول إعادة الاعتبار للكفاءة والثقة والمصلحة العامة.
وطرح في السياق نفسه سؤالاً أكثر حدة حول قيمة الانتخابات عندما تتحول، بحسب تشخيصه، إلى مجال يتقدم فيه المال والأعيان واستغلال هشاشة الناخبين على حساب البرامج والكفاءة وصناعة النخب.
أما الرسالة الأكثر ثقلاً التي حملتها الحلقة، فهي أن انتخابات 2026 لا تتعلق، وفق تصور بنهادي، بمن سيتصدر النتائج فقط، بل بمستقبل الوساطة الحزبية نفسها وبقدرة الأحزاب على إنتاج قيادات يمكنها مجاراة حجم التحولات التي تريد الدولة إنجازها.
وبين دعوته الصريحة إلى سيناريو استثنائي يمتد إلى 2036 وتحذيره في الوقت نفسه من كلفة تجاوز الفصل 47، وضع بنهادي النقاش أمام معادلة شديدة الحساسية: ملكية تقود أوراشاً استراتيجية بإيقاع مرتفع، وأحزاب تتآكل الثقة في جزء من أدائها، ونخبة تكنوسياسية يراها عنصراً مركزياً في الحل، ودستور يجعل صيانة الاختيار الديمقراطي جزءاً من توازن الدولة نفسها.
