بقلم: الباز عبدالإله
وضعت وثيقة رسمية حديثة للمفوضية الأوروبية ورش التحول الرقمي بالمغرب أمام أرقام لافتة، بعدما سجلت استمرار فجوة بين الاستثمارات المنجزة والآثار الاقتصادية والاجتماعية واسعة النطاق، بالتزامن مع اعتماد قيمة مرجعية عند 30 في المائة لمؤشر الخدمات العمومية الرقمية المطابقة لمعيار أمن المعلومات ISO 27001.
وتندرج الوثيقة ضمن «برنامج دعم الشراكة الرقمية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب» PAP-NUM، ونشرتها المفوضية الأوروبية للعموم في 4 غشت 2026، بعدما أُلحقت بقرار للمفوضية اعتمد في بروكسيل يوم 29 يوليوز من السنة نفسها، بميزانية إجمالية تصل إلى 20 مليون يورو ممولة من ميزانية الاتحاد الأوروبي.
وتكشف الوثيقة أن استراتيجية «المغرب الرقمي 2030» برمجت استثماراً بقيمة 11 مليار درهم خلال الفترة 2024-2026، وربطت هذه الموارد بجملة من الأهداف القابلة للقياس، من بينها تقليص آجال الإجراءات الإدارية بنسبة 50 في المائة، وخلق 240 ألف وظيفة في القطاع الرقمي، وتحسين ترتيب المملكة في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية وصولاً إلى ضمن أفضل 50 دولة عالمياً.
غير أن تشخيص المفوضية الأوروبية ينتقل من حجم الموارد والأهداف المعلنة إلى سؤال النتائج، إذ تقول الوثيقة إن التحول الرقمي والابتكار ما زالا يساهمان بشكل غير كاف في تحقيق نمو شامل ومستدام وقادر على الصمود بالمغرب، رغم التقدم المسجل في الاستراتيجيات الوطنية والدعم الأوروبي السابق.
وتذهب الوثيقة أبعد من ذلك، مسجلة أن تقييمات التدخلات السابقة أظهرت وجود فجوة مستمرة بين الاستثمارات المنجزة وبين آثارها الاجتماعية والاقتصادية على نطاق واسع، ولا سيما في ما يتعلق بخلق فرص الشغل وتقليص الفوارق ودعم الانتقال الأخضر.
ويكتسب هذا التشخيص وزناً إضافياً بالنظر إلى الحجم المالي الذي وضعته استراتيجية «المغرب الرقمي 2030» للفترة 2024-2026، إذ تصبح المقارنة مرتبطة ليس فقط بحجم الاستثمار في البنيات والمنصات والتكنولوجيا، وإنما بقدرة هذه الاستثمارات على التحول إلى قيمة اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.
ومن بين أكثر الأرقام حساسية في المصفوفة الرسمية لنتائج البرنامج، تدرج المفوضية مؤشراً يتعلق بـ«نسبة الخدمات العمومية الرقمية المطابقة لمعايير الأمن ISO 27001»، وتحدد 30 في المائة كقيمة مرجعية لهذا المؤشر، مع اعتماد تقارير المديرية العامة لأمن نظم المعلومات والمجلس الأعلى للحسابات وعمليات تدقيق متخصصة ضمن مصادر التحقق.
ولا تعني نسبة 30 في المائة أن 70 في المائة من الخدمات الرقمية العمومية بالمغرب غير آمنة، كما لا تقدمها الوثيقة باعتبارها قياساً شاملاً للوضع الأمني الرقمي في المملكة، وإنما باعتبارها قيمة مرجعية لمؤشر محدد يقيس مدى مطابقة الخدمات العمومية الرقمية لمعيار ISO 27001، من دون إرفاق هذه القيمة المرجعية بسنة محددة داخل جدول المؤشرات.
وتشير المفوضية إلى أن التحدي لا يقتصر على البنية التحتية، معتبرة أن المغرب ما يزال يواجه صعوبة في تحويل القدرات التكنولوجية إلى ابتكار منتج للقيمة، مع استمرار محدودية نقل التكنولوجيا وتثمين نتائج البحث وانتشار الابتكار داخل النسيج الاقتصادي.
كما تسجل الوثيقة استمرار انقسامات رقمية مرتبطة بالمجال والفئات الاجتماعية والمهنية، فضلاً عن محدودية استفادة عدد من المقاولات الصغرى والناشئة من التمويل والأسواق وسلاسل القيمة، إلى جانب استمرار درجة من التبعية التكنولوجية الخارجية.
ويراهن البرنامج الأوروبي الجديد، البالغة قيمته 20 مليون يورو، على تعزيز تنظيم الاقتصاد الرقمي وحماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني، ودعم قدرات مؤسسات من بينها الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات والمديرية العامة لأمن نظم المعلومات واللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والوزارة المكلفة بالانتقال الرقمي.
كما يشمل البرنامج التحضير لمشاريع مرتبطة بالجيل الخامس والربط عالي الصبيب والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والخدمات العمومية الرقمية.
وسبق لـ«كراش سياسي» أن كشف ضمن قراءة للحزمة الأوروبية لسنة 2026 تخصيص 20 مليون يورو للشراكة الرقمية من أصل 148 مليون يورو موزعة على ثلاثة برامج، غير أن المصفوفة التفصيلية لبرنامج PAP-NUM تفتح زاوية أخرى مرتبطة مباشرة بقياس النتائج ومستوى الامتثال الأمني للخدمات الرقمية.
وبذلك لا تضع الوثيقة الأوروبية الاستثمار الرقمي المغربي أمام سؤال التمويل فقط، بل أمام اختبار أكثر دقة يتعلق بما أنتجته تلك الاستثمارات فعلياً من تشغيل وتقليص للفوارق وخدمات رقمية مؤمنة ومطابقة للمعايير، في وقت تستفيد فيه المملكة من برنامج أوروبي جديد لمواكبة التحول الرقمي، بمؤشرات وغايات يمتد عدد منها إلى أفق 2030.