رفع رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الاثنين 7 شتنبر 2026 أمام مجلس منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بباريس، شعار الحفاظ على «إطار ماكرو اقتصادي صلب»، واضعاً مليارات الاستثمار وتراجع العجز والبطالة في واجهة الأداء الحكومي، غير أن مقارنة أرقام خطابه بوثائق حكومية سابقة وتقارير البنك الدولي تفتح أسئلة بشأن مرجعها الزمني، ومدى تنفيذ الاستثمارات، واستدامة الموارد المالية التي تسند الحصيلة.
وفي قلب العرض، أعلن أخنوش أن اللجنة الوطنية للاستثمارات صادقت على 381 مشروعاً بقيمة 581 مليار درهم، من المرتقب أن توفر 245 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، فيما ربطت الصياغة المنشورة لكلمته هذه الحصيلة بدخول ميثاق الاستثمار الجديد حيز التنفيذ.
“كلمة أخنوش في باريس كما نُقلت” (https://madar21.com/451176.html)
غير أن الحصيلة الحكومية السابقة ميزت بين رقمين مختلفين: 381 مشروعاً بقيمة 581 مليار درهم منذ بداية الولاية الحكومية، وضمن هذا المجموع 297 مشروعاً فقط صودق عليها منذ دخول الميثاق الجديد حيز التنفيذ في مارس 2023، بقيمة 513 مليار درهم و201 ألف منصب شغل متوقع.
“عرض الحصيلة الحكومية السابق” (https://www.facebook.com/PartiRni/videos/1370072374880239/)
وبذلك، يحتاج الرقم المقدم في باريس إلى توضيح ما إذا كان يخص مجموع الولاية الحكومية أم الفترة اللاحقة لدخول الميثاق الجديد حيز التنفيذ، خصوصاً أن الفارق بين الرقمين يبلغ 84 مشروعاً و68 مليار درهم ونحو 44 ألف منصب شغل متوقع.
كما أن الأرقام المعلنة تتعلق بمشاريع واتفاقيات وملاحق اتفاقيات تمت المصادقة عليها، وبوظائف يرتقب إحداثها، ولا تعني أن مبلغ 581 مليار درهم استُثمر كاملاً أو أن 245 ألف منصب شغل أُحدثت فعلياً.
ويترك عرض المصادقات وحجم التمويل أسئلة التنفيذ مفتوحة، من عدد المشاريع التي دخلت مرحلة الإنتاج إلى قيمة الاستثمار المنجز فعلياً، وعدد الوظائف المباشرة المحدثة وأجورها واستقرارها، فضلاً عن المنهجية المعتمدة لتقدير فرص الشغل غير المباشرة.
وتظهر مسافة أخرى بين شعار «الصلابة» وما سجله تقرير البنك الدولي لصيف 2026، إذ كشف أن الحكومة واصلت اللجوء إلى عمليات بيع عقارات الدولة وإعادة كرائها، وأن هذه العمليات بلغت ما يعادل 2 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2025.
ويذهب التقرير أبعد من تسجيل الرقم، إذ يحذّر من أن استمرار الاعتماد على عمليات البيع وإعادة الكراء والتحويلات الاستثنائية من المقاولات العمومية قد يُظهر الوضع المالي الأساسي أقوى من حقيقته، كما يربط صدقية مسار تقليص العجز بالحفاظ على المداخيل دون اعتماد مفرط على الموارد غير المتكررة.
“تقرير البنك الدولي، الصفحتان 5 و6” (https://documents1.worldbank.org/curated/en/099250107202635777/pdf/IDU-016f28a8-d4b9-4bdd-b13d-cca0a2f42ab4.pdf)
ولا يعني هذا التحذير أن البنك ينفي التحسن المسجل في المالية العامة، إذ يعترف بارتفاع المداخيل الضريبية وبأثر إصلاحات الإدارة الجبائية، لكنه يضع سؤالاً مختلفاً أمام الحصيلة الحكومية: ما مقدار التحسن الناتج عن موارد دائمة ومتكررة، وما المقدار الذي تحقق بفضل بيع العقارات وتحصيل موارد استثنائية تقابلها التزامات كراء مستقبلية؟
وفي توقعات سنة 2026، عرض أخنوش هدفاً حكومياً بتحقيق نمو قدره 5.3 في المائة وحصر عجز الميزانية في 3 في المائة، بينما يتوقع البنك الدولي نمواً في حدود 4.2 في المائة وعجزاً يبلغ 3.8 في المائة، آخذاً بعين الاعتبار تداعيات التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع نفقات الحماية الاجتماعية وأجور الموظفين.
وتظل هذه مقارنة بين أهداف حكومية وتوقعات مؤسسة دولية وليست بين نتائج نهائية، لكنها تكشف أن السيناريو الذي عرضه رئيس الحكومة أكثر تفاؤلاً بفارق 1.1 نقطة في النمو و0.8 نقطة في العجز.
“تقرير البنك الدولي، الصفحات من 15 إلى 17” (https://documents1.worldbank.org/curated/en/099250107202635777/pdf/IDU-016f28a8-d4b9-4bdd-b13d-cca0a2f42ab4.pdf)
وفي خلفية أرقام الاستثمار، يبرز تقرير البنك الدولي حول النمو وفرص الشغل، الصادر في أبريل 2026، والذي يسجل أن المغرب حافظ منذ سنة 2000 على معدل استثمار يقارب 30 في المائة من الناتج الداخلي الخام، ضمن المستويات المرتفعة عالمياً، وأن تراكم الرأسمال ساهم في نحو 76 في المائة من النمو الحقيقي بين 2000 و2024، لكن هذا الجهد الاستثماري لم ينتج انطلاقة موازية في الإنتاجية.
ويؤكد التقرير أن عقوداً من الإنفاق الرأسمالي المكثف لم تصاحبها مكاسب متناسبة في الكفاءة، وأن الاقتصاد واصل إضافة الرأسمال دون رفع كافٍ للقدرة الإنتاجية لليد العاملة، وهو تشخيص بنيوي لمسار ممتد على سنوات وليس تقييماً منفرداً للمشاريع التي استعرضها رئيس الحكومة.
“تقرير البنك الدولي حول النمو وفرص الشغل” (https://documents1.worldbank.org/curated/en/099042726151542692/pdf/P501282-154a850a-45ed-46c2-abcd-659a2b18e103.pdf)
ولا يحصر البنك الإشكال في حجم التمويل، إذ أكد في بلاغه الصادر بتاريخ 28 أبريل 2026 أن النمو لم يتحول إلى فرص شغل كافية، خصوصاً للشباب والنساء، موضحاً أن عدد السكان في سن العمل ارتفع بين 2000 و2024 بوتيرة تعادل نحو ضعفين ونصف وتيرة نمو التشغيل، وأن 25 في المائة على الأقل من الصناعات تعمل تحت ضغط تنافسي محدود.
“بلاغ البنك الدولي” (https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2026/04/28/morocco-can-accelerate-growth-attract-private-investment-and-generate-millions-of-jobs-through-structural-and-other-poli)
وفي سوق الشغل، استند أخنوش إلى انخفاض البطالة بالمفهوم الضيق إلى 9.5 في المائة خلال الربع الثاني من 2026، مع إقراره باستمرار تحديات بطالة الشباب وضعف مشاركة النساء، غير أن تفاصيل المندوبية السامية للتخطيط تعطي لهذه التحديات حجماً أكثر وضوحاً.
فقد بلغت البطالة بالمفهوم الضيق في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة نحو 27.2 في المائة، فيما لم تتجاوز مشاركة النساء في سوق الشغل 18.1 في المائة، مقابل 66.5 في المائة لدى الرجال.
وسجل المؤشر المركب لنقص استخدام اليد العاملة 18.9 في المائة وطنياً، وارتفع إلى 41.7 في المائة لدى الشباب و26.7 في المائة لدى النساء، وهو مؤشر يجمع البطالة بالمفهوم الضيق ونقص التشغيل المرتبط بساعات العمل واليد العاملة المحتملة.
ولا يمثل هذا المؤشر نسبة بديلة لمعدل البطالة، لكنه يوسّع قياس الحاجة غير الملباة إلى العمل ويكشف أن تراجع البطالة الرسمية لا يعكس وحده الحجم الكامل للضغط داخل سوق الشغل.
المصدر: مذكرة المندوبية السامية للتخطيط حول وضعية سوق الشغل خلال الربع الثاني من سنة 2026.
ولا يتجاهل تقرير البنك الدولي مؤشرات التحسن، إذ وصف دورة النمو التي دخلها المغرب بأنها الأقوى منذ أكثر من عقد، وربط ارتفاع التحصيلات بإصلاحات الإدارة الضريبية، كما سجل استقرار الدين وتحسن جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية.
لكن الاختلاف الجوهري يظل قائماً بين الاحتفاء بحجم الأرقام وبين اختبار طبيعتها واستدامتها، فالمشكل ليس في وجود الاستثمارات والمؤشرات الإيجابية، بل في التمييز بين الأهداف والنتائج، وبين المصادقات والمشاريع المنتجة، وبين الوظائف المنتظرة والمناصب المحدثة فعلياً، وبين تحسن مالي تسنده مداخيل متكررة وآخر يعتمد جزئياً على موارد استثنائية حذّر البنك الدولي من الإفراط في الاتكال عليها.
