بقلم: الباز عبدالإله
قبل أقل من ثلاثة أسابيع على صناديق 23 شتنبر، وجد العامل البسيط نفسه يُقاد رغماً عنه إلى سيرك سياسي مفتوح. لم تعد القضية تتعلق بكرامة عيش أو بمعادلة أجر ومقابل، بل برقم سحري يُدعى «5000 درهم»، تحول بقدرة قادر من رقم لم يصل إليه السميك خلال الولاية إلى كعكة يتقاذفها السياسيون فوق الميكروفونات، في استخفاف صريح بالعقول وبمعاناة الشغالة التي اكتوت بنار التضخم طيلة خمس سنوات.
بدأت المهزلة السياسية من رأس الحكومة؛ التجمع الوطني للأحرار، الذي أمضى ولاية كاملة على رأس الجهاز التنفيذي، ورغم الزيادات التي أقرتها حكومته في الأجور والسميك، يخرج علينا اليوم ببرنامج انتخابي يبشر بـ5000 درهم كحد أدنى للأجر.
والمثير في الوعد ليس الرقم وحده، بل توقيته وطريقة تسويقه. فإذا كانت الحكومة نفسها قد قدمت حصيلتها باعتبار أن صافي الحد الأدنى للأجر ارتفع من نحو 2800 إلى قرابة 3400 درهم خلال الولاية، فما الذي يجعل الحزب يرفع السقف اليوم دفعة واحدة إلى 5000 درهم؟ وإذا كان الاقتصاد المغربي يحتمل هذا الرقم والمقاولات قادرة على استيعابه، فلماذا لم يصل إليه الأجير خلال سنوات الولاية؟ أم أن القدرة الشفائية للاقتصاد لا تتعافى إلا على أبواب مكاتب التصويت؟
لكن السريالية السياسية بلغت أوجها حين دخل الشريك في الأغلبية، حزب الأصالة والمعاصرة، على خط المزايدة. خرج فوزي لقجع، أحد أبرز الوجوه الحكومية المرتبطة بتدبير الميزانية، ليعلن أن البام موافق، وأن وزير التشغيل يونس السكوري «عندو الكاشي يدوزو نهار الخميس».
بهذه البساطة تحوّل ملف اجتماعي حارق إلى عرض فوق المنصة. لغة «الكاشي» والاستعراض السياسي لا تحرج الخصوم فقط، بل تطرح سؤالاً أشد إحراجاً على أصحابها: إذا كان الختم موجوداً، والوزير من حزبكم، وشريكان أساسيان في الأغلبية يعلنان اليوم اتفاقهما على المبدأ، فلماذا لم تظهر هذه الجرأة في جولات الحوار الاجتماعي السابقة؟ ولماذا انتظر الجميع الأسابيع الأخيرة من الولاية لاكتشاف أن 5000 درهم قد تكون قابلة للتنفيذ؟
ولأن المزاد لا يكتمل إلا بدخول المعارضة، قفز الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بقيادة إدريس لشكر على الحلبة، مطالباً بتطبيق 5000 درهم فوراً قبل الانتخابات لإحراج الأغلبية.
قد يبدو هذا المنطق سليماً داخل المناكفة السياسية، لكنه لا يعفي المعارضة بدورها من تقديم جواب اقتصادي متكامل. فالإحراج لا يصنع سياسة عمومية، ورفع الأجر لا يتم بمجرد رفع الصوت فوق المنصة. المطلوب هو كشف تفاصيل المقترح، وكلفته، ومراحله، والقطاعات المشمولة به، وكيفية حماية المقاولات الصغرى ومتناهية الصغر من تحمل الصدمة وحدها.
الحقيقة التي يتهرب الجميع من مواجهتها هي أن 5000 درهم فوق المنصة تخفي خلفها أسئلة أكثر تعقيداً من الخطابات الانتخابية. هل المقصود 5000 درهم صافياً تنزل في جيب العامل، أم أجراً إجمالياً قبل الاقتطاعات؟ هل سيطبق الرقم دفعة واحدة أم تدريجياً؟ ومن سيتحمل الكلفة الإضافية بالنسبة للمقاولات الصغرى ومتناهية الصغر؟
البنك الدولي يقدر ما يسمى بـ«الفجوة الضريبية على العمل» أو Tax Wedge، التي تجمع ضريبة الدخل والمساهمات الاجتماعية التي يؤديها الأجير والمشغل مقارنة بالكلفة الإجمالية للعمل، بنحو 23 في المائة عند مستوى الحد الأدنى للأجر في القطاعات غير الفلاحية.
وينبه البنك إلى أن ارتفاع كلفة التشغيل النظامي بالنسبة إلى الأجور المنخفضة قد يشكل عائقاً أمام التشغيل المهيكل لدى بعض المقاولات الصغيرة، وهي ملاحظة تجعل السؤال أكثر جدية من مجرد تحديد رقم انتخابي جذاب.
فأي رفع كبير للأجر لا ترافقه رؤية موازية لرفع الإنتاجية ودعم القدرة التنافسية ومواكبة المقاولات الصغيرة وتخفيف كلفة التشغيل النظامي قد ينتج آثاراً معاكسة لما تعد به المنصات، من تجميد بعض التوظيفات أو دفع جزء من النشاط نحو القطاع غير المهيكل بدل تحسين وضع العامل داخله.
وهنا تصبح 5000 درهم اختباراً لوجود سياسة اقتصادية متكاملة، لا مجرد رقم يمكن رفعه كلما ارتفعت حرارة الحملة.
المشكلة ليست في أن يحصل العامل على 5000 درهم، بل في أن تتحول مطالبه الاجتماعية إلى مادة للمزايدة بين أحزاب حكمت معاً خمس سنوات، ثم اكتشفت قبيل الانتخابات أن ما لم يتحقق خلال الولاية يمكن إنجازه بختم وتدخل في مجلس حكومي.
العامل البسيط لا يحتاج إلى استعراض عضلات بـ«الكاشي»، ولا إلى وعود هلامية تتطاير مع أول يوم بعد الاقتراع. إنه يحتاج إلى سياسة واضحة، وجدولة زمنية قابلة للمحاسبة، وإصلاح اقتصادي حقيقي يجعل من الأجر حقاً مستداماً، لا صدقة انتخابية يسدد فاتورتها من قوته وقوت أبنائه بعد انقضاء السيرك الانتخابي.
