بقلم: الباز عبدالإله
أعاد تصريح لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني وعضو المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار، فتح واحد من أكثر الأسئلة حساسية قبيل الانتخابات التشريعية: أين تنتهي سخونة الخطاب السياسي، وأين تبدأ مسؤولية المرشح عندما ينتقل من مهاجمة خصمه سياسياً إلى نسبة فعل إليه يمكن أن يحمل وصفاً جنائياً؟
السعدي، المرشح في انتخابات 23 شتنبر ووكيل لائحة التجمع الوطني للأحرار بدائرة تارودانت الشمالية، قال خلال لقاء حزبي بجماعة مزوضة بإقليم شيشاوة، أمس الاثنين 7 شتنبر 2026: «الفراقشي الحقيقي هو هذاك اللي عندو السيركات، والفراقشي هو هذاك اللي كيبيع الفرماج الفاسد لعباد الله، والفراقشي هو الشفوي».
ولم يصدر الكلام عن قيادي حزبي فقط، بل عن عضو في الحكومة ومرشح دخل فعلياً سباق انتخابات مجلس النواب، وفي توقيت انتخابي شديد الحساسية.
صحيح أن تصريح السعدي سبق الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية بثلاثة أيام، إذ تبدأ الحملة في الساعة الأولى من يوم 10 شتنبر وتنتهي في منتصف ليلة 22 منه، لكنه صدر خلال المسلسل الانتخابي نفسه وفي الفترة المخصصة لإيداع ملفات الترشيح.
وسبق التصريح للحملة الرسمية لا يعني أن كل ما يقال في الفترة السابقة عليها يوجد خارج أي مسؤولية قانونية، خصوصاً أن القانون الانتخابي الجديد أدخل مقتضيات أكثر صرامة في ما يتعلق بالأخبار والادعاءات الكاذبة والمساس بالمترشحين والناخبين.
وتنص المادة 51 مكررة من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، بعد تعديلاته الجديدة، على عقوبات تصل إلى الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 50 ألفاً إلى 100 ألف درهم في حالات محددة تتعلق باستعمال وسائل تكنولوجيا الإعلام والتواصل لنشر أو توزيع أخبار زائفة أو ادعاءات أو وقائع كاذبة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها بقصد المس بالحياة الخاصة للناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم.
غير أن استحضار هذه المادة في حالة السعدي يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، لأن مجرد التلفظ بعبارة داخل تجمع حزبي لا يعني، آلياً، تحقق الجريمة المنصوص عليها في المادة 51 مكررة، خاصة أن النص يرتبط بالنشر أو البث والتوزيع عبر وسائل التكنولوجيا والتواصل، كما يشترط توافر القصد الجنائي.
لذلك فإن تحديد ما إذا كانت مقتضيات المادة يمكن أن تمتد إلى الواقعة يحتاج إلى معرفة كيفية نشر التصريح وتداوله، وما إذا كان قد جرى بثه أو توزيعه رقمياً من طرف صاحبه أو جهات مرتبطة به، فضلاً عن باقي العناصر القانونية التي يقدّرها القضاء.
واللافت أن البوابة الرسمية للمملكة أدرجت يوم 7 شتنبر نفسه مادة تشرح المقتضيات الجديدة لمكافحة الأخبار الزائفة المرتبطة بانتخابات 2026، وتؤكد حماية المترشحين والناخبين من الادعاءات والوقائع الكاذبة، مع التشديد على ضرورة توافر نية الإضرار أو التشهير أو التأثير غير المشروع في العملية الانتخابية.
وفي اليوم نفسه، كان عضو في الحكومة ومرشح للانتخابات يقول أمام جمهور حزبي: «كيبيع الفرماج الفاسد لعباد الله».
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كان السعدي بصدد اختلاق واقعة من العدم أم أنه يستند إلى ملف قضائي موجود فعلاً.
فالسعدي لم يسم، في العبارة المتداولة، عبد الرحيم بنضو بالاسم، غير أن سياق المواجهة السياسية بين قيادات التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة وطبيعة الإشارة المستعملة دفعا تغطيات صحافية إلى قراءة العبارة باعتبارها موجهة إلى بنضو، القيادي في «البام» والمرشح بدائرة مديونة والمرتبط بنشاط اقتصادي في صناعة الأجبان ومشتقات الحليب.
والأهم أن بنضو يوجد بالفعل موضوع ملف قضائي يرتبط بمواد غذائية، بعدما أمر قاضي التحقيق لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، في فبراير 2026، بسحب جواز سفره وإغلاق الحدود في وجهه، مع متابعته في حالة سراح.
وتضمنت التهم المنشورة بشأن الملف أفعالاً مرتبطة بعرض وبيع واستيراد وتصدير منتجات غذائية يشتبه في كونها تشكل خطراً على حياة وصحة الأشخاص، إلى جانب استيراد وعرض وبيع وتوزيع مواد غذائية معدة للاستهلاك البشري مع العلم بفسادها، فضلاً عن اتهامات ترتبط بمواد مضافة غير مسموح بها لأغراض الحفظ.
وهذه معطيات ثقيلة بالفعل، لكن وجود اتهام قضائي ليس هو صدور حكم بالإدانة.
فالفصل 23 من الدستور يقرر أن قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان، وهو ما يفرض الفصل بين القول إن شخصاً «متابع بتهم تتعلق بمواد غذائية فاسدة» وبين تقديمه باعتباره شخصاً ثبت أنه باع تلك المواد للمواطنين.
وهنا تحديداً توجد حساسية كلام السعدي، فكاتب الدولة لم يقل إن شخصاً «متابع في ملف الفرماج» أو إن القضاء يبحث اتهامات تتعلق بمنتجات غذائية، وإنما استعمل صيغة خبرية مباشرة: «هذاك اللي كيبيع الفرماج الفاسد لعباد الله».
والفرق ليس مجرد تفصيل لغوي؛ فالعبارة الأولى تنقل وضعاً قضائياً قابلاً للتحقق، بينما الثانية، إذا ثبت أن المقصود بها شخص بعينه، تقدم فعلاً لا يزال موضوع بحث قضائي كما لو أصبح حقيقة ثابتة.
ولا يعني ذلك أن السعدي ارتكب جريمة أو أن المادة 51 مكررة تنطبق عليه حكماً، فهذا استنتاج لا يمكن أن يصدر عن الصحافة، بل يحتاج إلى تحقق الشروط القانونية وتقدير الجهات القضائية المختصة.
لكن الواقعة تفتح سؤالاً مشروعاً: أين ينتهي حق السياسي في استعمال ملف قضائي ضد خصمه، وأين يبدأ تحويل اتهامات لم يصدر بشأنها حكم نهائي إلى إدانة سياسية معلنة أمام الناخبين؟
وتصبح المقارنة أكثر حساسية عند استحضار ما وقع قبل أيام فقط مع مصطفى الإبراهيمي، مرشح حزب العدالة والتنمية بالقنيطرة، الذي تحدث خلال لقاء حزبي عن «270 طناً من المخدرات»، وعن الأموال التي يمكن أن تنتج عنها وإمكانية توظيفها في التأثير على العملية الانتخابية.
ولم تمر التصريحات باعتبارها مجرد كلام سياسي ساخن، إذ أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة، في 3 شتنبر 2026، فتح بحث قضائي للوقوف على حيثيات وظروف التصريحات وترتيب الآثار القانونية اللازمة.
والنيابة العامة لم تكن بذلك قد أدانت الإبراهيمي، ولم تعتبر مسبقاً أن كلامه كاذب، وإنما تحركت للتحقق من معطيات أطلقها مرشح للانتخابات وتحمل، بالنظر إلى مضمونها، أبعاداً جنائية وانتخابية.
والأهم أن تصريحات الإبراهيمي نفسها صدرت قبل البداية الرسمية للحملة الانتخابية في 10 شتنبر، وبالتالي لا يمكن تفسير فتح البحث في قضيته بمجرد القول إنه كان «في الحملة»، مقابل اعتبار كلام السعدي خارج أي نقاش لأن الحملة لم تبدأ بعد.
ومن هنا يصبح سؤال المعيار مشروعاً: إذا كانت تصريحات مرشح عن 270 طناً من المخدرات وأموال محتملة للتأثير على الانتخابات قد دفعت النيابة العامة إلى فتح بحث للتحقق من حقيقتها، فهل تستدعي عبارة صادرة عن مرشح آخر، يشغل في الوقت نفسه منصباً حكومياً، وتنسب إلى خصم سياسي بيع مواد غذائية فاسدة للمواطنين، مستوى مماثلاً من التحقق؟
القضيتان ليستا متطابقتين. حديث الإبراهيمي يتعلق بأموال مخدرات واحتمال استخدامها للتأثير في الانتخابات، بينما كلام السعدي يبدو مرتبطاً بملف قضائي حقيقي ومفتوح يتعلق بسلامة منتجات غذائية.
لكن بينهما قاسماً مشتركاً واضحاً: في الحالتين خرج الخطاب من تقييم سياسي من قبيل «فشل» أو «سوء تدبير» أو «ضعف الحصيلة»، إلى الحديث عن أفعال يمكن أن تحمل وصفاً جنائياً.
ويأتي ذلك بينما أعلنت رئاسة النيابة العامة تعبئة النيابات العامة لمواكبة انتخابات 2026، ودعت إلى التصدي بحزم للممارسات المخالفة للقانون وتسريع الأبحاث المرتبطة بالشكايات الانتخابية وتفعيل المقتضيات الزجرية ذات الصلة.
كما جرى تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات بمشاركة وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة، إلى جانب الآليات الإقليمية المخصصة للسهر على سلامة الاستحقاقات.
وهنا يبرز أيضاً السؤال المتداول حول ما يسمى سياسياً بـ«قوانين الداخلية»: هل تطبق على الجميع؟
الجواب القانوني يبدأ بتصحيح المصطلح نفسه. فوزارة الداخلية تلعب دوراً مركزياً في إعداد وتنظيم المسلسل الانتخابي، لكن المقتضيات الزجرية ليست مجرد تعليمات إدارية صادرة عنها، بل قواعد قانونية مرّت عبر المسطرة التشريعية والدستورية، بينما يعود فتح الأبحاث وترتيب المتابعات إلى النيابة العامة والقضاء.
ومن حيث المبدأ، لا تميز هذه القواعد بين مواطن بسيط ووزير أو قيادي حزبي متى تحققت شروط تطبيقها، كما أن الصفة الحكومية للسعدي لا تمنحه في حد ذاتها استثناءً من المقتضيات القانونية.
وحتى الحصانة البرلمانية لا تعني أن كل كلام يصدر عن نائب في أي مكان محمي تلقائياً، إذ يرتبط الفصل 64 من الدستور بالآراء والتصويت الصادرين أثناء مزاولة المهام البرلمانية، وليس بكل خطاب حزبي أو انتخابي.
ويبقى في الملف سؤال أكثر إحراجاً.
إذا كان لحسن السعدي يتوفر على معطيات أو أدلة تتجاوز المعلومات المنشورة في الملف القضائي وتثبت أن مواد غذائية فاسدة بيعت بالفعل للمواطنين، فإن القضية لا تعود مجرد «كلاش» بين مرشحين، بل تصبح مرتبطة مباشرة بالصحة العامة وحق المواطنين في معرفة ما وقع.
وحينها يصبح من المشروع طرح أسئلة أبعد من السجال الانتخابي: ما هذه المواد؟ ومن باعها؟ وكم كانت كميتها؟ وأين وُزعت؟ ومتى علم المسؤول الحكومي بهذه المعطيات؟ وهل أُبلغت السلطات المختصة بها؟
أما إذا كان مصدر عبارته الوحيد هو التهم الموجودة في ملف لا يزال أمام القضاء، فإن النقاش يتحول إلى سؤال آخر: هل يجوز لمسؤول حكومي ومرشح للانتخابات تحويل متابعة قضائية لم تنته بعد إلى حكم جاهز يستعمل ضد خصم سياسي؟
ولا يتعلق الأمر بطلب إدانة لحسن السعدي، كما لا يتعلق بتبرئة عبد الرحيم بنضو من ملف لا يزال القضاء ينظر فيه، وإنما باختبار قاعدة أعلن عنها القانون والمؤسسات قبل الانتخابات: هل تخضع التصريحات ذات الحمولة الجنائية الصادرة عن جميع المرشحين للميزان المؤسساتي نفسه، مهما كانت مواقع أصحابها وأحزابهم؟
بين «270 طناً من المخدرات» و«الفرماج الفاسد» تختلف الوقائع والملفات، لكن سؤالاً واحداً يبقى معلقاً أمام النيابة العامة والسلطات المكلفة بالسهر على نزاهة انتخابات 23 شتنبر: عندما يخرج خطاب المرشح من دائرة الرأي السياسي ويدخل إلى دائرة الوقائع ذات الطبيعة الجنائية، هل يُفتح باب التحقق للجميع، أم يتغير المعيار بتغير اسم المتحدث وموقعه داخل السلطة؟
