بقلم: الباز عبدالإله
دخلت السياسة التعليمية للحكومة آخر سنة من خريطة الطريق 2022-2026 أمام اختبار دولي ثقيل بالأرقام، بعدما أظهرت نتائج «PISA 2025»، التي كشفت عنها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، اليوم الثلاثاء 8 شتنبر 2026، أن 13 في المائة فقط من التلاميذ المغاربة البالغين 15 عاماً بلغوا المستوى الأساسي المطلوب في القراءة، مقابل 16 في المائة في الرياضيات و23 في المائة في العلوم، في وقت وضعت فيه الخريطة الحكومية تحسين التعلمات الأساسية والنتائج القابلة للقياس في قلب مشروع إصلاح المدرسة.
وتكتسب الأرقام دلالة سياسية خاصة لأنها تظهر في السنة التي يفترض أن تبلغ فيها خريطة الطريق التعليمية 2022-2026 محطة أهدافها النهائية، بعدما وثق البنك الدولي أن السياسة الحكومية حددت ثلاثة أهداف مركزية في أفق 2026، في مقدمتها مضاعفة نسبة تلاميذ الابتدائي المتحكمين في الكفايات الأساسية، ومضاعفة المستفيدين من الأنشطة الموازية، وتقليص الهدر المدرسي بمقدار الثلث.
غير أن أحدث اختبار دولي متاح يرسم صورة شديدة الصعوبة لمستوى التعلمات لدى فئة التلاميذ البالغين 15 عاماً، إذ لم يصل إلى المستوى الثاني أو أكثر في القراءة سوى 13 في المائة من المشاركين المغاربة، مقابل 69 في المائة كمعدل لدول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، فيما بلغت النسبة 16 في المائة في الرياضيات مقابل 65 في المائة كمعدل لدول OECD، و23 في المائة في العلوم مقابل 74 في المائة.
ولا يمثل المستوى الثاني في اختبارات PISA فئة المتفوقين، بل الحد الأدنى من الكفايات الذي يفترض أن يسمح للتلميذ باستخدام معارفه في وضعيات أساسية؛ ففي القراءة يتعلق الأمر بالقدرة على تحديد الفكرة الرئيسية في نص متوسط الطول والعثور على معلومات وفق شروط واضحة، وفي الرياضيات بتمثيل وضعيات بسيطة رياضياً، وفي العلوم بفهم تفسيرات لظواهر مألوفة واستخدام معطيات بسيطة للوصول إلى استنتاج.
وتزيد المقارنة الزمنية من الضغط على حصيلة السياسة التعليمية خلال الولاية الحكومية الحالية، إذ تشير OECD إلى أن متوسط نتائج المغرب في 2025 أصبح أقل من مستواه في دورة 2022 في مادتي الرياضيات والقراءة، بينما ظل مستقراً تقريباً في العلوم.
وتعني هذه النتيجة أن السنوات الثلاث التي تزامنت عملياً مع إطلاق خريطة الطريق الجديدة لم تنته، بالنسبة إلى فئة تلاميذ 15 عاماً التي تقيسها PISA، بتحسن عام في القراءة والرياضيات، رغم انتقال الخطاب الحكومي منذ 2022 إلى التركيز على التعلمات والنتائج بدل الاكتفاء بقياس حجم الموارد والبرامج.
وبالمقارنة مع سنة 2018، ارتفعت نسبة التلاميذ الموجودين تحت المستوى الأساسي بثماني نقاط مئوية في الرياضيات، و14 نقطة في القراءة، وثماني نقاط في العلوم.
غير أن قراءة هذه المقارنة تحتاج إلى احتياط منهجي مهم سجلته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية نفسها، إذ توسع خلال الفترة ذاتها التحاق فئات أكبر من الأطفال بالتعليم الثانوي، بما في ذلك فئات كانت أقل تمثيلاً سابقاً داخل منظومة التعليم، وهو تحول تعتبره OECD عاملاً مهماً عند تفسير تطور النتائج بين 2018 و2025.
لكن أحد أكثر الأرقام إحراجاً للسياسة التعليمية لا يوجد داخل أوراق الاختبار فقط، بل داخل المؤسسة التعليمية نفسها.
فقد أفاد 62 في المائة من التلاميذ المغاربة بأنهم فوّتوا حصة دراسية واحدة على الأقل خلال الأسبوعين السابقين لاختبار PISA 2025، مقابل 24 في المائة فقط كمعدل لدول OECD.
وتزداد دلالة الرقم عند مقارنته بدورة 2022، حين لم تكن نسبة التلاميذ المغاربة الذين صرحوا بتفويت حصة واحدة على الأقل تتجاوز 40 في المائة، ما يعني ارتفاعها بـ22 نقطة مئوية خلال ثلاث سنوات.
كما ارتفعت نسبة الذين قالوا إنهم تغيبوا يوماً دراسياً كاملاً واحداً على الأقل من 23 في المائة سنة 2022 إلى 36 في المائة سنة 2025.
وتضع هذه الأرقام خريطة الطريق أمام مفارقة واضحة، لأن أحد رهانات الإصلاح المعلنة يرتبط بمحاصرة الانقطاع والهدر وتعزيز ارتباط التلميذ بالمؤسسة، بينما أصبح تفويت حصة واحدة على الأقل خلال أسبوعين سلوكاً يصرح به أكثر من ستة تلاميذ مغاربة من كل عشرة ممن شملهم الاختبار.
وتظهر النتائج في الوقت الذي توسع فيه أحد أبرز البرامج التي راهنت عليها الحكومة لإعادة بناء التعلمات، وهو برنامج «المدارس الرائدة»، الذي انطلق سنة 2023 باعتباره مكوناً مركزياً ضمن خريطة الطريق 2022-2026.
وانتقل البرنامج من 626 مدرسة ابتدائية عمومية خلال مرحلته التجريبية إلى 4626 مدرسة خلال الموسم الدراسي 2025-2026، أي نحو 54 في المائة من مجموع المدارس الابتدائية العمومية بالمغرب.
وبحسب معطيات البنك الدولي، أصبح النموذج يشمل أكثر من مليوني تلميذ، بمشاركة نحو 75 ألف أستاذ و960 مفتشاً، فيما يدعم البنك إصلاح التعليم بالمغرب عبر برنامج تصل قيمته الإجمالية إلى 750 مليون دولار، يركز على التعليم الأولي والتعلمات الأساسية وتطوير أداء المدرسين والحكامة الجهوية وتوسيع استخدام الأساليب التربوية المستندة إلى قياس النتائج.
وسجل البنك الدولي نتائج أولية إيجابية داخل المدارس الرائدة، إذ أظهرت دراسة أثر مبكرة أن تلاميذ المرحلة التجريبية حققوا مكاسب تعليمية مهمة مقارنة بتلاميذ مدارس مماثلة، وهو ما شكل أحد مبررات التوسع السريع في البرنامج.
لكن نتائج PISA 2025 تفتح مستوى آخر من النقاش، يتعلق بمدى تحول النتائج الإيجابية المسجلة داخل برامج مستهدفة إلى تحسن واسع يمكن رصده مستقبلاً على مستوى المنظومة التعليمية بكاملها.
وتزداد أهمية هذا السؤال عند الانتقال من البرامج إلى الإمكانيات المتوفرة داخل المؤسسات، إذ سجلت OECD أن 69 في المائة من التلاميذ المغاربة يوجدون في مدارس أفاد مديروها بأن نقص الوسائل التعليمية، بما يشمل الكتب والتجهيزات المعلوماتية ومواد المكتبات والمختبرات، يعرقل عملية التدريس بدرجة ما.
كما يوجد 52 في المائة من التلاميذ داخل مؤسسات يعتبر مديروها أن نقص البنية التحتية يؤثر على التدريس، بينما تصل نسبة الموجودين في مدارس تعاني نقصاً في الأطر المساعدة إلى 76 في المائة، مقابل 39 في المائة كمعدل لدول OECD.
وتسجل الأرقام، في المقابل، تحسناً ينبغي إدخاله في قراءة الحصيلة، إذ تراجعت نسبة التلاميذ الموجودين في مدارس يشكو مديروها نقصاً في الأساتذة من 56 في المائة سنة 2022 إلى 36 في المائة سنة 2025.
كما انخفضت نسبة التلاميذ الموجودين في مؤسسات يتأثر التدريس فيها بنقص الوسائل التعليمية من 77 إلى 69 في المائة، وتراجعت النسبة المرتبطة بنقص البنية التحتية من 65 إلى 52 في المائة.
غير أن التحسن في بعض مؤشرات الموارد لم يترافق، إلى حدود اختبار 2025، مع اتجاه مماثل في نتائج القراءة والرياضيات لدى تلاميذ 15 عاماً، وهو ما يعيد النقاش من سؤال «كم أنفقت الدولة؟» و«كم مؤسسة دخلت البرنامج؟» إلى سؤال أكثر صعوبة: ماذا تغير فعلياً في التعلمات؟
وتكشف حياة القسم بدورها عن جانب آخر من فجوة التنفيذ، بعدما قال 36 في المائة من التلاميذ المغاربة إنهم لا يستطيعون العمل جيداً خلال أغلب أو جميع حصص العلوم، مقابل 19 في المائة كمعدل لدول OECD.
وأكد 41 في المائة أن الضجيج والفوضى يعطلان أغلب أو جميع تلك الحصص، فيما قال 39 في المائة إن التلاميذ لا يستمعون إلى ما يقوله الأستاذ.
وتدفع هذه المعطيات النقاش إلى ما هو أبعد من حجم الميزانيات وعدد المؤسسات التي جرى تأهيلها، نحو قدرة السياسة التعليمية على تحويل الموارد والإجراءات والبرامج الجديدة إلى وقت تعلم فعلي داخل القسم وإلى كفايات يمكن قياسها لدى التلميذ.
ولا تسمح المنهجية العلمية باعتبار PISA 2025 تقييماً مباشراً لبرنامج «المدارس الرائدة».
فالاختبار يستهدف أساساً تلاميذ في سن 15 عاماً، بينما بدأ تعميم النموذج الجديد من المرحلة الابتدائية سنة 2023، ولذلك فإن قسماً كبيراً من التلاميذ المشاركين في PISA لم يقض سنوات دراسته الأساسية داخل نموذج المدارس الرائدة، ولا يمكن بالتالي تحميل البرنامج وحده مسؤولية النتائج الحالية أو الحكم على أثره النهائي انطلاقاً منها.
غير أن هذا الاحتياط المنهجي لا يلغي الدلالة السياسية الأوسع للنتائج، لأن خريطة الطريق 2022-2026 قُدمت باعتبارها انتقالاً من منطق الوسائل والإجراءات إلى منطق الأثر والنتائج، بينما تصل إلى عامها الأخير ومنظومة التعليم ما تزال، وفق أحدث معيار دولي متاح، تضم 87 في المائة من تلاميذ 15 عاماً تحت المستوى الأساسي في القراءة، و84 في المائة في الرياضيات، و77 في المائة في العلوم.
ويتعزز السؤال مع معطيات نشرها البنك الدولي في ماي 2026، تفيد بأن نحو 60 في المائة من الأطفال المغاربة في سن العاشرة كانوا، وفق بيانات 2023، غير قادرين على قراءة نص بسيط وفهمه، وهو ما يعكس استمرار أزمة التعلمات رغم التقدم المسجل في توسيع الولوج إلى المدرسة.
ولا تقول المعطيات إن السياسة الحكومية لم تسجل أي تقدم، إذ توثق المؤسسات الدولية توسع المدارس الرائدة وتحسن عدد من مؤشرات الموارد وظهور نتائج أولية إيجابية داخل البرنامج.
لكنها تنقل النقاش، في المقابل، إلى المعيار الذي اختارته الحكومة نفسها لتقييم إصلاحها: النتيجة التي تصل إلى التلميذ.
وفي السنة التي تنتهي فيها خريطة الطريق 2022-2026، تصبح الأسئلة أكثر صعوبة أمام أرقام تظهر تراجع القراءة والرياضيات مقارنة بسنة 2022، وارتفاع تفويت الحصص من 40 إلى 62 في المائة خلال ثلاث سنوات، وبقاء نسبة من يبلغون الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة عند 13 في المائة فقط.
وهكذا تجعل نتائج PISA 2025 النقاش حول حصيلة التعليم أقل قابلية للاختزال في عدد المدارس التي أُعيد تأهيلها أو عدد البرامج التي أُطلقت، وتعيده إلى جوهر الإصلاح الذي أعلنته الحكومة منذ البداية: هل تحولت الموارد والسياسات إلى تعلم فعلي داخل القسم، وهل أصبح التلميذ المغربي في نهاية خريطة الطريق يقرأ ويحسب ويفهم أفضل مما كان عليه عند انطلاقها؟
