فجّر عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، واحدة من أعنف مرافعاته الانتخابية ضد عزيز أخنوش وحكومته، بعدما انتقل، خلال مهرجان خطابي بالقصر الكبير مساء الاثنين 7 شتنبر 2026، من نقد حصيلة خمس سنوات من التدبير إلى توجيه اتهامات سياسية مباشرة لرئيس الحكومة، قبل أن يذهب إلى حد القول إن أخنوش «خصو يمشي للمحكمة»، وإن القضاء هو الجهة التي ينبغي أن تقول كلمتها في الملفات التي يثيرها الحزب ضده.
ابن كيران لم يترك مساحة كبيرة للتأويل عندما تحدث عن أخنوش، إذ قال أمام الحاضرين إن رئيس الحكومة «جا بالفلوس ديالو وكان من الممكن يجي بالفلوس ديالو ويترأس الحكومة ويكون مثال وقدوة»، قبل أن يتهمه بأنه اختار، بحسب تعبيره، طريقاً آخر، مضيفاً: «ملي جا للحكومة أول ما بدا كيعمل إجراءات باش يسيطر ويهيمن ويبقى تما خالدين فيها أبداً»، كما اتهمه بتعيين مقربين منه ومن أحزاب الأغلبية في عدد من المسؤوليات.
ورفع الأمين العام للعدالة والتنمية سقف خطابه أكثر عندما قال إن أخنوش «طمع في أموال الدولة وطمع في أموال المجتمع»، رابطاً هجومه بمجموعة من الملفات التي جعل منها حزبه خلال السنوات الأخيرة أرضية للمواجهة السياسية مع رئيس الحكومة، وفي مقدمتها المحروقات وتحلية مياه البحر ودعم استيراد المواشي.
أقسى عبارات الخطاب جاءت عندما قال ابن كيران أمام أنصاره: «أنا مقتنع هذا الرجل خصو يمشي للمحكمة بكل صراحة، مالو؟ أش بغى يكون رئيس حكومة؟ يمشي للمحكمة، تحكم عليه، إلا كان بريء تبرّئو المحكمة، إلا كان دار هاد الشي راه يتحاسب».
واستدعى ابن كيران ملف المنافسة في سوق المحروقات لتعزيز هجومه على أخنوش، غير أن الفصل يبقى ضرورياً بين المسؤولية السياسية التي يحاول رئيس الحكومة الأسبق تحميلها لرئيس الحكومة الحالي وبين المسار المؤسساتي للملف، إذ إن التسوية التي أعلن عنها مجلس المنافسة سنة 2023، والبالغة إجمالاً 1.840 مليار درهم، تعلقت بتسع شركات تنشط في تموين وتخزين وتوزيع الغازوال والبنزين ومنظمتها المهنية، ولم تكن حكماً قضائياً شخصياً صادراً في حق عزيز أخنوش.
وعاد ابن كيران إلى مرحلة رئاسته للحكومة ليقدم تجربته باعتبارها نقيضاً للطريقة التي يقول إن السلطة الحكومية تُمارس بها اليوم، مستحضراً إصلاح صندوق المقاصة وما وصفه بالكلفة السياسية الكبيرة التي تحملها حزبه بسبب ذلك القرار.
وقال مخاطباً الحاضرين: «كنت رئيس الحكومة ديالكم، كان عندي 107 في الأول عطيتوني 125 في الآخر، ما معنى ذلك؟ معنى أنكم كنتم مسرورين بالطريقة التي سيرت بها الأمور»، معتبراً أن انتقال العدالة والتنمية من 107 مقاعد سنة 2011 إلى 125 مقعداً سنة 2016 كان تعبيراً عن رضا جزء من الناخبين عن طريقة تدبير حكومته.
وقدم ابن كيران نفسه، خلال المقارنة، باعتباره خرج من المسؤولية كما دخل إليها دون أن يمس المال العام، قبل أن يحول النقاش من حصيلة المشاريع والأرقام إلى مسألة الثقة في من يمارس السلطة، مطلقاً واحدة من أكثر عباراته قوة خلال المهرجان: «المغاربة ما كيشكيوش من الفقر، المغاربة كيشكيو من الظلم».
وبحسب رئيس الحكومة الأسبق، فإن المواطن لا يبحث فقط عمن يرفع دخله أو ينجز له طريقاً، بل يريد أن يرى في المسؤول «الاستقامة والعدل والنزاهة»، معتبراً أن المغربي قد يتقبل من مسؤول أن يصارحه بعجز الدولة عن إنجاز مشروع معين، لكنه لا يقبل، حسب منطقه، أن يشعر بأن السلطة تستعمل لخدمة المصالح الخاصة.
ولم يوفر ابن كيران حكومة أخنوش وهو يستعرض الأزمات التي طبعت ولايتها، متوقفاً عند التعليم والصحة والإدارة، ومعتبراً أن الحكومة لم تنجح في معالجة اختلالات يواجهها المواطن في حياته اليومية.
وقال إن المطلوب ليس مجرد الحديث عن الإصلاح، وإنما أن يجد المواطن مدرسة يدرس فيها ابنه فعلياً، ومستشفى يتلقى فيه العلاج، وإدارة يحصل منها على حقه دون تعقيدات، وأن يجد صاحب المشروع طريقاً واضحة للاستثمار بدل الغرق في سنوات من انتظار التراخيص.
واستحضر ابن كيران الاحتقان الذي عرفه قطاع التعليم والإضرابات التي استمرت أشهراً، كما تحدث عن قطاع الصحة ومشاكله، واتهم الحكومة بالعجز عن فرض الانضباط داخل بعض المرافق العمومية، معتبراً أن الدولة القوية تحتاج إلى حكومة ووزراء قادرين على تحمل مسؤولياتهم وتطبيق القانون.
الهجوم امتد إلى طريقة تدبير الحكومة للأزمات، إذ أعاد ابن كيران إثارة سفر أخنوش إلى إسبانيا بالتزامن مع تداعيات أزمة سبتة خلال الصيف الماضي، معتبراً أن رئيس الحكومة كان يفترض، وفق موقفه، أن يبقى في البلاد ويتواصل مع المواطنين وأسر الضحايا ويشرح ما وقع.
ولم يوجه الأمين العام للعدالة والتنمية نيرانه إلى التجمع الوطني للأحرار وحده، بل جر حزب الأصالة والمعاصرة بدوره إلى قلب المواجهة، مستحضراً الخلافات التي ظهرت بين مكونات الأغلبية قبيل الانتخابات، قبل أن يطلق واحدة من أكثر عباراته السياسية حدة: «إذا تخاصم السارقان ظهر المسروق».
وفسر ابن كيران عبارته بالقول إن أطرافاً داخل الأغلبية أصبحت تتبادل المسؤولية والاتهامات بعد سنوات من التدبير المشترك، قائلاً: «دابا كيدابزو، تيقول ليه أنت اللي عطيتي للفراقشية، أنت اللي درتي كذا وأنت اللي درتي كذا»، قبل أن يصف هذا المشهد بأنه «عيب».
كما هاجم طموح حزب الأصالة والمعاصرة إلى رئاسة الحكومة بعد الانتخابات، مستعيداً ظروف صعود الحزب إلى المشهد السياسي، ومعتبراً أن الأحزاب الطبيعية تبدأ صغيرة ثم تتوسع تدريجياً، قبل أن ينتقل إلى مهاجمة عدد من المواقف التي دافع عنها عبد اللطيف وهبي، خصوصاً في قضايا الحريات الفردية والعلاقات الرضائية.
ابن كيران لم يخف أن معركته الحالية تتجاوز مهاجمة أخنوش إلى محاولة إعادة العدالة والتنمية إلى موقع سياسي فقده بعد انهيار نتائج الحزب في انتخابات 2021، وقال إن حزبه قضى السنوات الخمس الماضية وهو «يتعافر» من أجل العودة، معتبراً أنه وصل إلى انتخابات 2026 بعدما استعاد جزءاً من حضوره.
وحاول الأمين العام للعدالة والتنمية تقديم حزبه باعتباره عرضاً سياسياً يقوم على الأشخاص بقدر ما يقوم على البرامج، قائلاً إن «أهم شيء في البرنامج هو بنادم مقاد»، وإن الناخب يحتاج إلى مسؤول يخدم المصلحة العامة ويحترم القانون ويهتم بالفئات الهشة ويساهم في تحقيق التوازن الاجتماعي.
وتوقف ابن كيران مطولاً عند علاقة المغاربة بالسياسة والملكية، معتبراً أن الخوف التاريخي من السياسة لم يعد له ما يبرره، ومشدداً في الوقت نفسه على المكانة المركزية للمؤسسة الملكية باعتبارها، حسب تعبيره، رمزاً لوحدة المغرب واستقراره، مع التمييز بين رمزية المؤسسة وبين السياسات التي قال إن من حق المواطنين مناقشتها وانتقادها باحترام.
وقال مخاطباً الحاضرين: «الحكومة حقنا حنا، حق الشعب هو يختار الحكومة ديالو»، مضيفاً أن من يصل إلى رئاسة الحكومة عبر أصوات المواطنين ملزم بمراعاة مصلحة الدولة والمجتمع والتعامل مع الناس بالإنصاف والعدل.
المفارقة أن ابن كيران، الذي افتتح خطابه بالتأكيد أنه لم يأت إلى القصر الكبير فقط لطلب التصويت لمرشح حزبه، أنهى المهرجان بدعوة انتخابية واضحة إلى التعبئة من أجل انتزاع أكبر عدد ممكن من المقاعد في الدائرة.
وقال لأنصاره: «إلا انتما اقتنعتيو وفهمتي هذا الكلام اللي كنقول لكم وقمتي بالواجب ديالكم وتكلمتوا مع الناس ديال القصر اللي في المدينة واللي في البادية وشرحتي لهم ووضحتي لهم، راه يعطيوكم جوج ويعطيكم ثلاثة وربما يعطيكم حتى أربعة».
بهذا الخطاب، حوّل ابن كيران مهرجان القصر الكبير من محطة لدعم مرشح حزبه إلى هجوم سياسي شامل على خمس سنوات من حكومة أخنوش، جامعاً في مرافعة واحدة بين المحروقات والمواشي والتحلية والتعليم والصحة والإدارة وصراع مكونات الأغلبية، ومقدماً انتخابات 23 شتنبر باعتبارها، من وجهة نظره، فرصة لمحاسبة التجربة الحكومية وإعادة العدالة والتنمية إلى قلب المشهد السياسي.
