بقلم: الباز عبدالإله
بعد ثلاث سنوات على زلزال الحوز، تعود حصيلة إعادة الإعمار إلى واجهة النقاش السياسي بأرقام رسمية كبيرة من جهة، وشكايات ميدانية متواصلة من جهة أخرى، بعدما نقل تحقيق جديد لـ«دويتشه فيله» الألمانية شهادات لأسر تقول إنها بقيت خارج لوائح الاستفادة من الدعم، رغم تقدم الأشغال وصرف مليارات الدراهم منذ كارثة شتنبر 2023.
ونشر التحقيق، الثلاثاء 8 شتنبر 2026، بالتزامن مع الذكرى الثالثة للزلزال، مستنداً في جزء من معطياته إلى آخر الأرقام المنشورة لوكالة تنمية الأطلس الكبير، والتي تعود مرجعيتها إلى 17 مارس 2026، وتظهر أن عدد المساكن التي جرى استكمال بنائها أو تأهيلها بلغ 54 ألفاً و425 مسكناً، بينما كانت أكثر من 3 آلاف وحدة سكنية أخرى لا تزال في طور الإنجاز.
وتظهر المعطيات الرسمية نفسها أن قيمة الدعم المالي الموجه إلى الأسر المتضررة تجاوزت 7.2 مليارات درهم، بينها نحو 4.7 مليارات درهم مخصصة لدعم إعادة البناء والتأهيل، وأكثر من 2.5 مليار درهم للمساعدات الاستعجالية التي وُجهت إلى الأسر بعد الزلزال.
ولا تتعلق الأرقام، إذن، بتحديث مالي صدر يوم 8 شتنبر، وإنما بحصيلة رسمية منشورة قبل أشهر أعاد تحقيق «دويتشه فيله» وضعها مقابل شهادات وشكايات متضررين ما تزال ملفاتهم، بحسب ما نقلته المؤسسة الإعلامية الألمانية، دون تسوية بعد ثلاث سنوات من الكارثة.
وتبرز هنا واحدة من أكثر النقاط حساسية في تدبير مرحلة ما بعد الزلزال، إذ قالت التنسيقية الوطنية لضحايا زلزال الحوز، بحسب ما نقلته «دويتشه فيله» عن منتصر إثري، إنها تلقت أكثر من 3 آلاف شكاية من أسر تعتبر نفسها مقصية من الاستفادة وتطالب بإعادة فتح ملفاتها والتحقق من أسباب عدم إدراجها ضمن المستفيدين.
ولا يعني رقم 3 آلاف شكاية أنه إحصاء رسمي صادر عن الحكومة أو عملية إحصاء مستقلة أنجزتها «دويتشه فيله»، وإنما رقم قدمته التنسيقية لـ«دويتشه فيله»، وهو تمييز ضروري عند قراءة حجم النزاع الاجتماعي القائم حول لوائح المستفيدين.
وتعود بذلك الفجوة بين مؤشرات إعادة البناء المعلنة رسمياً وبين وضعية أسر تقول إنها ما تزال تنتظر تسوية ملفاتها إلى قلب النقاش، بعدما أصبح تقييم الورش مرتبطاً ليس فقط بعدد المنازل المنجزة وحجم الأموال المصروفة، بل أيضاً بمآل الحالات التي لم تدخل لوائح الدعم أو ظلت طعونها دون حسم.
ونقلت «دويتشه فيله» عن آيت جلولات العربي، أحد المتضررين بمنطقة أزكور، قوله إن نحو 76 أسرة استفادت من الدعم، بينما بقي مصير 56 أسرة أخرى معلقاً، وهي أرقام تظل منسوبة إلى شهادته الميدانية ولا تمثل إحصاءً حكومياً مستقلاً.
وتكشف هذه الشهادة أن النقاش تجاوز حجم التمويلات ونسب تقدم الأشغال إلى أسئلة أكثر حساسية تتعلق بمعايير الاستفادة، وآليات تصنيف المتضررين، وكيفية معالجة الحالات التي تعتبر نفسها مستحقة للدعم لكنها ظلت خارج اللوائح النهائية.
وتكتسب المعطيات وزناً سياسياً إضافياً لأن الحكومة قدمت ملف إعادة إعمار الحوز خلال السنوات الثلاث الماضية باعتباره واحداً من أكبر الأوراش الاجتماعية والترابية في ولايتها، وربطته ببرنامج واسع لا يقتصر على إعادة بناء المنازل، بل يشمل الطرق والبنيات الأساسية والمرافق العمومية وإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
غير أن استمرار الشكايات يضع الحصيلة الرسمية أمام معيار آخر للتقييم، يتعلق بمدى قدرة البرنامج على الوصول إلى جميع الفئات المتضررة، وليس فقط بنسبة تقدم الأوراش أو حجم التمويلات المرصودة والمنفذة.
وتزداد حساسية الملف مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، بعدما نقل تحقيق «دويتشه فيله» شهادات لمتضررين تحدثوا عن عودة الاهتمام السياسي بملفاتهم مع اقتراب موعد الاقتراع.
وقال محمد بلقايد، الملقب بـ«البطل»، لـ«دويتشه فيله» إنه ما يزال يعيش داخل خيمة رفقة أطفاله الأربعة بعد ثلاث سنوات من الزلزال، موضحاً أن ملفه لم يستفد من الدعم بسبب تصنيفه مكترياً، بينما نقل عن عودة وجوه سياسية إلى المنطقة ووعود بإعادة النظر في الملفات العالقة.
كما نقل التقرير عن المتضررة فوزية عليبان قولها إن رئيس الحكومة عزيز أخنوش سبق أن زار المنطقة ووعد، بحسب شهادتها، بإيجاد حل للملف، لكنها أكدت أن الانتظار ما يزال مستمراً.
وتبقى هذه الرواية شهادة منسوبة إلى صاحبتها وليست بلاغاً حكومياً يوثق التزاماً رسمياً محدداً، لكنها تفتح سياسياً سؤال تنفيذ الوعود التي يقول متضررون إنهم تلقوها بشأن إعادة دراسة الملفات.
ولا تثبت هذه الشهادات، في حد ذاتها، وجود فساد أو خرق قانوني في تدبير الدعم، لكنها تكشف استمرار نزاع اجتماعي حقيقي حول الاستحقاق ومعايير الإدراج في اللوائح، وتعيد طرح الحاجة إلى نشر معطيات أكثر تفصيلاً حول عدد الملفات المرفوضة، وأسباب رفضها، وعدد الطعون التي تمت مراجعتها، وعدد الأسر التي أعيد إدراجها بعد التظلم.
وتبرز أهمية هذا الجانب لأن الأرقام الحكومية المنشورة تركز أساساً على عدد المساكن المنجزة وحجم الأموال المصروفة وتقدم الأشغال، بينما لا تظهر بالوضوح نفسه حصيلة محدثة ومفصلة لمجموع الشكايات والطعون ومآل كل فئة منها.
وهنا يتحول الملف من ورش تقني لإعادة الإعمار إلى سؤال سياسي يتعلق بالشفافية في تدبير مرحلة ما بعد الكارثة، وبقدرة الحكومة على تفسير وجود حصيلة مالية وعمرانية متقدمة بالتوازي مع استمرار آلاف الشكايات التي يقول أصحابها إنهم لم يصلوا بعد إلى الدعم.
فالرقم الذي تجاوز 7.2 مليارات درهم يثبت أن الدولة خصصت موارد مالية ضخمة للملف، كما أن بلوغ عدد المساكن المنجزة أو المؤهلة 54 ألفاً و425 وحدة يعكس تقدماً فعلياً وملموساً في الأشغال، لكن أكثر من 3 آلاف شكاية أعلنت التنسيقية تلقيها تعني أن تقييم النجاح لا يمكن أن يعتمد فقط على المؤشرات الكمية.
وتكمن قوة الملف في هذه المفارقة تحديداً، إذ تستطيع الحكومة الاستناد إلى عشرات الآلاف من المساكن المنجزة وإلى مليارات الدراهم التي صُرفت، بينما يستند المتضررون إلى حالات فردية وجماعية تقول إنها بقيت خارج الاستفادة بعد ثلاث سنوات، ما يجعل معركة الأرقام وحدها غير كافية لحسم النقاش.
ومع دخول البلاد الأيام الأخيرة قبل انتخابات 23 شتنبر، يصبح ملف الحوز أكثر حساسية بالنسبة إلى الأغلبية الحكومية، لأن الخطاب الانتخابي حول الحصيلة الاجتماعية سيجد أمامه واحداً من أكثر الأوراش رمزية خلال الولاية، وهو ورش انطلق بعد كارثة وطنية كبرى واستنزف موارد مالية وإدارية ضخمة.
وإذا كانت الأرقام الرسمية تمنح الحكومة مادة قوية للدفاع عن حصيلتها، فإن الشكايات التي نقلتها «دويتشه فيله» تعيد فتح الجانب الذي لم يُحسم بعد، والمتعلق بالأسر التي تقول إنها بقيت خارج الدعم، وبشفافية مراجعة الملفات، وبما إذا كانت الوعود المقدمة إلى هذه الحالات قد تحولت فعلاً إلى قرارات تنفيذية.
بعد ثلاث سنوات من الزلزال، لم يعد السؤال فقط كم منزلاً بُني وكم ملياراً صُرف، بل كم ملفاً أُغلق فعلياً، وكم طعناً جرى البت فيه، وكم أسرة ما تزال تنتظر جواباً واضحاً بشأن حقها في الاستفادة من برنامج خُصص أصلاً لجبر آثار واحدة من أكبر الكوارث التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة.
