بقلم: الباز عبدالإله
قبل أيام من توجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تضع أحدث بطاقة لتقييم الحقوق السياسية والحريات المدنية صادرة عن منظمة «Freedom House» الأمريكية مجموعة من المؤشرات الثقيلة المرتبطة بعمل الحكومة والشفافية وضمانات مكافحة الفساد وجودة الإطار الانتخابي.
التقرير السنوي «Freedom in the World 2026»، الصادر في 19 مارس 2026، والذي يقيم الأوضاع خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير إلى 31 دجنبر 2025، صنف المغرب ضمن الدول «الحرة جزئياً»، ومنحه مجموع 37 نقطة من أصل 100، موزعة بين 13 نقطة من أصل 40 في الحقوق السياسية و24 نقطة من أصل 60 في الحريات المدنية.
غير أن الرقم الإجمالي ليس وحده ما يلفت الانتباه داخل بطاقة المغرب.
ففي المؤشر الذي يقيس ما إذا كانت الحكومة تعمل بانفتاح وشفافية، حصل المغرب على نقطة واحدة فقط من أصل أربع، أي 1/4.
وحصل المؤشر المتعلق بمدى قوة وفعالية الضمانات ضد الفساد الرسمي بدوره على 1/4، بينما نال السؤال المتعلق بمدى قدرة رئيس الحكومة والبرلمان المنتخبين على تحديد السياسات الحكومية العلامة نفسها: نقطة واحدة من أصل أربع.
وتكتسب هذه المؤشرات ثقلاً إضافياً في السياق الانتخابي الحالي، لأن الأحزاب التي شاركت في تدبير الولاية الحكومية المنتهية تدخل حملة 2026 وهي تقدم حصيلة خمس سنوات إلى الناخبين، بينما تضع أحدث بطاقة دولية متخصصة مؤشرات مرتبطة بالشفافية وضمانات مكافحة الفساد عند مستوى منخفض، بنقطة واحدة فقط من أصل أربع.
وفي الجانب الانتخابي، منحت Freedom House المغرب نقطتين من أصل أربع في المؤشر الذي يقيس مدى عدالة القوانين والإطار الانتخابي وتطبيقهما بصورة محايدة من قبل الهيئات المكلفة بإدارة الانتخابات.
كما حصل المؤشر المتعلق بما إذا كان النواب الحاليون قد انتخبوا في انتخابات حرة ونزيهة على 2/4، بينما نال السؤال المتعلق بوجود فرصة واقعية أمام المعارضة لزيادة دعمها أو الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات نقطة واحدة فقط من أصل أربع.
ولا تعني هذه النتائج أن Freedom House تقول إن انتخابات 23 شتنبر 2026 غير نزيهة، كما لا يمكن تحويلها مهنياً إلى حكم مسبق على اقتراع لم يكن قد جرى خلال الفترة التي يغطيها التقرير.
فتقرير «Freedom in the World 2026» صدر في 19 مارس 2026 لكنه يقيم الأوضاع خلال سنة 2025، وبالتالي فإن علاماته تصف البيئة السياسية والمؤسساتية السابقة للاستحقاق الحالي، ولا تقيم انتخابات شتنبر 2026 نفسها.
لكن أهمية الأرقام تكمن تحديداً في أنها ترسم جزءاً من الخلفية المؤسساتية والسياسية التي يدخل بها المغرب انتخابات 2026.
فالمنظمة سجلت 1/4 في شفافية عمل الحكومة، و1/4 في قوة وفعالية ضمانات مكافحة الفساد الرسمي، و2/4 في عدالة وحياد الإطار الانتخابي، و1/4 في الفرصة الواقعية المتاحة للمعارضة للوصول إلى السلطة عبر الانتخابات.
واللافت أيضاً أن هذه النتائج لا تمثل تراجعاً مفاجئاً ظهر في تقرير واحد.
فالعودة إلى بطاقة المغرب في تقرير «Freedom in the World 2025» تظهر أن المؤشرات نفسها كانت تحمل العلامات ذاتها تقريباً: 1/4 في الشفافية، و1/4 في ضمانات مكافحة الفساد، و2/4 في الإطار الانتخابي، و1/4 في فرص المعارضة.
كما بقي التقييم الإجمالي للمغرب عند 37 نقطة من أصل 100.
وهنا يصبح السؤال أكثر ثقلاً.
فالقضية ليست لماذا انخفضت علامة الشفافية أو مكافحة الفساد خلال سنة واحدة، بل لماذا ظلت مؤشرات حساسة مرتبطة بالحكامة والشفافية والفساد والمنافسة السياسية مستقرة عند مستويات منخفضة بين تقييمين متتاليين؟
وتقول Freedom House في تقديمها للمغرب إن المملكة تنظم انتخابات تعددية دورية للبرلمان والجماعات المحلية، وإن دستور 2011 نقل جزءاً من الصلاحيات المتعلقة بتشكيل الحكومة وممارسة السلطة إلى المؤسسات المنتخبة.
غير أنها تعتبر، في المقابل، أن مركز القرار السياسي لا يزال متأثراً بتوازنات تتجاوز المؤسسات المنتخبة، وهو ما ينعكس على جزء من تقييمها للحقوق السياسية.
ومن المهم أيضاً وضع طبيعة التقرير في سياقها الصحيح.
Freedom House منظمة أمريكية غير حكومية وغير ربحية، وليست هيئة تابعة للأمم المتحدة ولا مؤسسة حكومية أمريكية، كما أن علاماتها لا تمثل حكماً قضائياً أو قراراً صادراً عن مؤسسة رسمية مغربية.
وتقول المنظمة إن منهجيتها تعتمد على محللين وباحثين ومصادر مفتوحة وتقارير حكومية وغير حكومية ومواد صحفية وأبحاث أكاديمية واتصالات مهنية وميدانية، قبل إخضاع التقييمات للمراجعة.
كما تؤكد أن تقرير «Freedom in the World» يقيس الحقوق السياسية والحريات المدنية التي يتمتع بها الأفراد فعلياً، ولا يشكل تقييماً شاملاً لأداء حكومة بعينها.
غير أن ذلك لا يلغي القيمة السياسية للمؤشرات الواردة في التقرير، خصوصاً في لحظة انتخابية تعرض فيها الحكومة والأحزاب حصيلتها على المواطنين وتطلب منهم تجديد الثقة.
فالشفافية ليست مفهوماً نظرياً منفصلاً عن الحياة اليومية.
هي ترتبط بكيفية اتخاذ القرارات، والوصول إلى المعلومة، وصرف المال العام، ومراقبة الصفقات والسياسات العمومية، ومعرفة الأسس التي تُبنى عليها القرارات التي تمس المواطنين.
كما أن ضمانات مكافحة الفساد ترتبط بقدرة المؤسسات على منع تضارب المصالح، والتحقيق في التجاوزات، ومساءلة المسؤولين، وضمان عدم تحول السلطة العمومية إلى أداة لخدمة المصالح الخاصة.
ولهذا فإن حصول المؤشرين معاً على 1/4 يضع أمام الحكومة والأغلبية التي أدارت السنوات الخمس الماضية سؤالاً مشروعاً: ماذا تغير فعلياً في أدوات الشفافية والمساءلة ومواجهة الفساد حتى يشعر المواطن بأن النصوص والمؤسسات انعكست على طريقة تدبير السلطة والمال العام؟
أما بالنسبة إلى الأحزاب، فإن العلامة البالغة 1/4 في المؤشر الذي يقيس وجود فرصة واقعية أمام المعارضة لزيادة دعمها أو الوصول إلى السلطة بواسطة الانتخابات تفتح بدورها نقاشاً أوسع حول شروط المنافسة السياسية والثقة في المؤسسات وجدوى المشاركة الانتخابية.
فإذا كان التداول على السلطة أحد أبرز الاختبارات التي تقاس بها حيوية الأنظمة السياسية، فإن استمرار هذا المؤشر عند نقطة واحدة من أصل أربع بين تقريرين متتاليين يطرح سؤالاً حول ما يجب تغييره حتى تصبح المنافسة الانتخابية أكثر قدرة على إنتاج الثقة والتداول والمشاركة.
ولا تجيب Freedom House عن هذه الأسئلة من داخل السياق المغربي وحده، لأنها تطبق منهجيتها على عشرات الدول وتقارن النتائج وفق شبكة موحدة من المؤشرات.
لكن المغرب يدخل انتخابات 23 شتنبر 2026 وفي حقيبته هذه العلامات المنشورة: 37 من أصل 100 إجمالاً، و13 من 40 في الحقوق السياسية، و1 من 4 في شفافية عمل الحكومة، و1 من 4 في قوة وفعالية ضمانات مكافحة الفساد الرسمي، و2 من 4 في عدالة وحياد الإطار الانتخابي، و1 من 4 في الفرصة الواقعية المتاحة للمعارضة للوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات.
وأمام هذه الأرقام، يصبح السؤال الانتخابي أبعد من معرفة الحزب الذي سيتصدر نتائج 23 شتنبر.
السؤال هو ما إذا كانت الولاية المقبلة ستغير أيضاً المؤشرات التي تقيس جودة البيئة السياسية والمؤسساتية، أم أن المغرب سيعود في تقرير دولي جديد ليجد الأرقام نفسها معلقة أمام الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد والمنافسة السياسية.
