بقلم: الباز عبدالإله
«36.7 في المائة بطالة بين الشباب». بهذا الرقم المرجعي الذي أورده البنك الإفريقي للتنمية عن وضع سوق الشغل بالمغرب، يدخل برنامج حكومي جديد للتكوين والإدماج مرحلة التنفيذ بتمويل يصل إلى 200 مليون يورو، أي نحو 2.18 مليار درهم، لكن قراءة وثائق العملية تكشف أن القضية لا تتعلق فقط بقرض جديد يضاف إلى التمويلات الخارجية للمملكة، بل ببرنامج قائم على النتائج يفترض أن يخضع الإنجاز فيه للقياس والتتبع.
ووقع المغرب والبنك الإفريقي للتنمية، الخميس 17 شتنبر 2026 بالرباط، اتفاق التمويل الخاص ببرنامج «Cap-Compétences 2030»، ضمن اتفاقيتين بلغ مجموعهما 405 ملايين يورو، خُصصت الثانية، بقيمة 205 ملايين يورو، لدعم تطوير البنيات التحتية السككية.
لكن خلف رقم الـ200 مليون يورو الخاص بالتكوين توجد وثائق تفصيلية ترسم صورة أوسع للمشكلة التي يفترض أن يعالجها التمويل، وتحدد طبيعة النتائج المنتظرة منه.
ففي تقييمه للبرنامج، يستند البنك الإفريقي للتنمية إلى معطيات سوق الشغل لسنة 2024، ويسجل أن معدل البطالة على المستوى الوطني بلغ 13.3 في المائة، بينما وصلت البطالة وسط الشباب إلى 36.7 في المائة.
وتضيف الوثيقة أن أكثر من ربع الشباب المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة يوجدون في وضعية «NEET»، أي خارج العمل والدراسة والتكوين، بما يقارب 1.5 مليون شاب وفق المعطيات التي استند إليها البنك.
ومن بين هؤلاء، تشير الوثيقة إلى أن 27.6 في المائة يوجدون في حالة بطالة، بينما يصنف 72.4 في المائة ضمن غير النشطين الذين لا يبحثون بنشاط عن عمل.
وهذه الأرقام ليست معطيات لحظية لشهر شتنبر 2026، وإنما تشكل خط الأساس الذي استند إليه البنك عند تقييم البرنامج والمشكلات الهيكلية التي يسعى التمويل الجديد إلى المساهمة في معالجتها.
وهنا تظهر خصوصية العملية المالية الجديدة.
فالبنك الإفريقي لا يقدم الـ200 مليون يورو باعتبارها مجرد تمويل تقليدي لنفقات التكوين، وإنما يصنف العملية ضمن التمويل القائم على النتائج، ما يعني أن تقييم البرنامج لا يتوقف عند حجم الأموال المرصودة أو المصروفة، بل ينتقل إلى ما تحقق فعلياً على مستوى التكوين والمهارات والإدماج في سوق الشغل.
ويقول البنك إن البرنامج يستهدف تحسين ملاءمة وجودة وتنوع عرض التكوين المهني، ورقمنة الخدمات، وتوسيع أنظمة التعلم، وتقوية آليات الاندماج في سوق الشغل.
ويقوم «Cap-Compétences 2030» على ثلاثة محاور مالية وعملياتية رئيسية.
الحصة الأكبر، البالغة بصورة تأشيرية 139.25 مليون يورو، أي 69.8 في المائة من الميزانية، موجهة إلى تنمية المهارات والشراكات الاستراتيجية لخدمة حاجيات المغرب في أفق 2030.
ويخصص المحور الثاني 57.75 مليون يورو، بما يعادل 28.9 في المائة، لإقامة منظومة تكوين وإدماج مهني أكثر ارتباطاً بحاجيات المقاولات.
أما المحور الثالث، فتبلغ مخصصاته التأشيرية 2.5 مليون يورو، أي 1.3 في المائة، ويرتبط بالتحول الرقمي وتقوية القدرات المؤسساتية والأنظمة التشغيلية.
وبذلك يصبح السؤال المركزي بعد توقيع اتفاق التمويل مختلفاً عن السؤال التقليدي حول قيمة القرض: ماذا ستنتج فعلياً 2.18 مليار درهم من نتائج قابلة للقياس في سوق شغل يسجل البنك نفسه اختلالاته؟
البرنامج يأتي في سياق خارطة طريق التشغيل 2025-2030، التي تسجل وثائق البنك أنها تتضمن مجموعة من الالتزامات، من بينها إحداث 350 ألف منصب شغل مستدام في أفق 2026، وإعادة هيكلة سياسات التشغيل النشيطة، وإطلاق آلية موجهة للعالم القروي تستهدف الفلاحين ومربي الماشية، وإقامة نظام لتتبع أثر سياسات التشغيل بالاستناد إلى البيانات الإدارية.
كما تشمل الحاجيات التي حددتها الخارطة، وفق الوثيقة، إحداث مسار متكامل لمواكبة الباحثين عن العمل، يبدأ بالتشخيص والتوجيه ولا ينتهي عند الإدماج، بل يمتد إلى التتبع بعد الحصول على فرصة العمل، إلى جانب وضع إطار وطني للتداريب وتطوير تكوينات قصيرة ومؤهلة مرتبطة بحاجيات القطاعات الاقتصادية.
ويربط البنك جزءاً من المشكلة بعدم كفاية الملاءمة بين المهارات التي تنتجها منظومة التكوين والحاجيات الفعلية للمقاولات، ولذلك لا يقتصر البرنامج على زيادة عدد المستفيدين، بل يضع الشراكات مع الفاعلين الاقتصاديين وإعادة توجيه العرض التكويني ضمن صلب العملية.
وهذا التفصيل أساسي في قراءة التمويل الجديد، لأن نجاح البرنامج لن يقاس بمجرد صرف 200 مليون يورو.
المعيار سيكون ما إذا كان هذا التمويل قد أنتج تكويناً قابلاً للترجمة إلى إدماج مهني، وما إذا كانت البرامج الممولة تستجيب فعلاً لحاجيات سوق العمل، خصوصاً لدى الشباب والنساء والفئات التي تواجه صعوبة أكبر في الولوج إلى الشغل.
وهنا تحديداً تظهر دلالة اختيار آلية التمويل القائم على النتائج.
فبدلاً من الاكتفاء بتتبع الاعتمادات والنفقات، تضع هذه المقاربة النتائج والمؤشرات في قلب المتابعة، وهو ما يجعل «Cap-Compétences 2030» اختباراً قابلاً للقياس لجزء من السياسة الحكومية في التشغيل والتكوين المهني.
ولا تبدأ الحكومة هذا الاختبار من نقطة الصفر. فالبرنامج يأتي بعد سنوات من السياسات والبرامج والآليات الموجهة إلى التكوين والتشغيل، فيما يضع البنك أمامه خط أساس ثقيل: بطالة شبابية بلغت 36.7 في المائة في معطيات 2024، ونحو 1.5 مليون شاب بين 15 و24 سنة خارج العمل والدراسة والتكوين.
لذلك لن يكون السؤال، بعد سنوات من الآن، كم دورة تكوينية نُظمت أو كم اعتماداً مالياً صُرف، وإنما ماذا تغير فعلياً بعد ضخ 218 مليار سنتيم.
كم شاباً انتقل من التكوين إلى فرصة عمل فعلية؟ هل تحسنت قابلية تشغيل المستفيدين؟ وهل تقلصت الفجوة بين المهارات التي توفرها منظومة التكوين وتلك التي تبحث عنها المقاولات؟
هذه المؤشرات هي التي ستفصل بين تمويل برنامج جديد وإثبات أثره على الأرض.
فتوقيع اتفاق الـ200 مليون يورو يوم 17 شتنبر لا يمثل نهاية مسار التمويل، بل بداية اختبار للنتائج، خصوصاً أن البرنامج لا يقدم نفسه باعتباره استجابة ظرفية لمؤشر بطالة مرتفع، وإنما جزءاً من إصلاحات تستهدف سوق العمل ومنظومة التكوين المهني وربط المهارات بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
وبين 218 مليار سنتيم من التمويل، و36.7 في المائة بطالة بين الشباب في خط الأساس الذي اعتمده البنك، توجد مساحة واسعة للوعود والبرامج، لكن توجد أيضاً مؤشرات رقمية ستسمح لاحقاً بقياس ما تحقق.
فالرهان، في نهاية المطاف، لن يكون في مقدار ما حصل عليه المغرب من تمويل، ولا في مقدار ما تم صرفه منه، وإنما في مقدار التغيير الذي يمكن إثباته بعد صرفه.
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
