بقلم: الباز عبدالإله
ليس الاعتراض على أن تكتب The Economist عن المغرب، ولا على أن تنتقد الملك أو الحكومة أو أجهزة الدولة، ولا على أن تضع البطالة والتعليم والحريات تحت المجهر. الصحافة التي لا تسأل عن السلطة تفقد جانباً أساسياً من وظيفتها، لكنها تفقد شيئاً آخر لا يقل أهمية عندما يصبح الاستنتاج أكبر من الأدلة التي وضعتها أمام القارئ.
وهذه هي المشكلة الجوهرية في المقال الذي نشرته المجلة تحت عنوان: “In Morocco, scandal is weakening the king’s shaky rule”.
العنوان يصل إلى الحكم قبل أن يصل النص إلى الإثبات.
تبدأ المجلة من مشهد أحداث سبتة في 30 يوليوز.
موكب ملكي يتحرك في اتجاه، وآلاف الأشخاص يتحركون نحو الحدود في الاتجاه المقابل.
المشهد وقع بالفعل، لكن The Economist لم تستخدمه مجرد واقعة، بل حولته منذ البداية إلى رمز سياسي لما تعتبره أزمة أعمق في حكم الملك محمد السادس.
وهنا يظهر أول خلل في البناء.
حركة عشرات الآلاف نحو حدود سبتة واقعة، أما تحويل هؤلاء جميعاً إلى كتلة سياسية واحدة تحمل الرسالة نفسها فهو تفسير.
يمكن لشخص أن يريد الهجرة بسبب البطالة، ولآخر بسبب الدخل، ولثالث لأنه صدق شائعة انتشرت عبر الشبكات الاجتماعية، ولرابع دوافع سياسية، ولخامس أسباب شخصية مختلفة تماماً.
لذلك يمكن للمشهد أن يكون رمزياً، لكن الرمز لا يقوم مقام الدليل.
بعد سبتة، تنتقل المجلة إلى البطالة وضعف بعض الخدمات العمومية والتعليم والمشاريع الكبرى.
وهنا لا حاجة لأي رد جدي لأن يختبئ خلف الإنكار، المغرب يواجه اختلالات حقيقية، ومن حق الصحافة المغربية قبل الأجنبية أن تناقشها بأقصى درجة من الصرامة.
لكن وجود هذه المشاكل لا يثبت تلقائياً الأطروحة التي اختارتها المجلة عنواناً لمقالها.
البطالة تقاس بأرقام سوق الشغل، والتعليم يقاس بمؤشرات المدرسة، والصحة يمكن تقييمها بالموارد والخدمات والنتائج. أما القول إن مؤسسة سياسية أصبحت «هشة»، فهو استنتاج من مستوى آخر يحتاج إلى أدلة مستقلة تتجاوز جمع مشاكل اجتماعية واقتصادية في سرد واحد.
يمكن أن تكون الوقائع صحيحة، بينما تظل الخلاصة المبنية فوقها قابلة للنقاش.
ومن هنا يدخل المقال مرحلته الأخطر: قصة «Safir».
بحسب الرواية التي تنقلها المجلة، يتعلق الأمر بشخص سبق أن عمل داخل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وغادر المغرب حاملاً معلومات حساسة.
ثم يظهر اسم «Bureau 21»، وتأتي ادعاءات عن عمليات مراقبة واختراق لهواتف وأنظمة فيديو وشخصيات داخل المغرب وأوروبا، وصولاً إلى فرضيات شديدة الحساسية حول دائرة الاستهداف.
إلى هنا نحن أمام رواية أمنية خطيرة تستحق التحقيق.
لكن اللحظة الأكثر أهمية في هذا الجزء ليست اسم «Safir»، ولا «Bureau 21».
إنها تحفظ المجلة نفسها عندما تقر بأن عدداً من الادعاءات المرتبطة بهذه الرواية يصعب التحقق منها.
هذه العبارة كان يفترض أن تضبط كل ما سيأتي بعدها.
لأن هناك فرقاً بين أن تقول إن شخصاً قدم رواية عن جهاز أمني، وبين أن تعتبر أن كل ما رواه أصبح ثابتاً.
وهناك فرق أكبر بين وجود قضية تجسس وبين استخدامها مفتاحاً لتفسير العلاقات المغربية الإسبانية، ثم أحداث سبتة، ثم تنافس أجهزة الدولة، ثم مستقبل العرش.
لكن النص ينتقل بعد ذلك إلى إسبانيا.
تقول الرواية إن مسؤولين مغاربة شعروا بالخيانة بسبب الحماية المفترضة التي وفرتها مدريد لـ«Safir»، قبل أن تظهر فرضية مفادها أن الضغط على حدود سبتة ربما كان رداً على ذلك.
وهنا يصبح الفرق بين المعلومة والفرضية أساسياً.
وجود شخص في إسبانيا شيء.
واعتبار حمايته سبباً لغضب داخل أجهزة مغربية شيء آخر.
والقول إن أزمة حدودية بهذا الحجم استُعملت لمعاقبة إسبانيا شيء ثالث يحتاج إلى مستوى أعلى بكثير من الإثبات.
هذه ليست حلقات يمكن جمعها لمجرد أنها تنسجم داخل قصة واحدة.
كل واحدة منها تحتاج إلى سند مستقل.
لكن المقال لا يتوقف عند هذا الحد، بل يدخل مباشرة إلى المستوى الثالث: الخلافة ونفوذ المحيط.
تنتقل The Economist إلى الحديث عن توترات داخل أجهزة الدولة ومحيط القصر استعداداً للمستقبل، وتقدم ما تعتبره انقساماً بين دائرة مرتبطة بفؤاد عالي الهمة من جهة، وبين محيط ولي العهد مولاي الحسن ووالدته للا سلمى من جهة أخرى، ثم تربط ذلك بتوازنات وعلاقات وما يمكن أن يقع مستقبلاً عند انتقال العرش.
هنا لم نعد أمام أرقام بطالة أو مؤشرات تعليم يمكن لأي قارئ العودة إليها.
نحن أمام رواية عن علاقات شخصية، ونوايا، ومخاوف، وحسابات داخل أعلى مستويات السلطة.
وفي هذا النوع من الادعاءات، تصبح الحاجة إلى الإثبات أكبر، لا أصغر.
فحين تكون المعلومة رقماً يمكن العودة إلى مصدره، وحين تكون قراراً يمكن البحث عن نصه، وحين تكون تصريحاً يمكن الاستماع إليه.
أما عندما يتعلق الأمر بما يفكر فيه شخص، أو ما يخشاه آخر، أو بما قد يفعله طرف ثالث مستقبلاً، فإن القارئ يصبح معتمداً بالكامل تقريباً على ثقة المجلة في مصادرها.
وهنا تظهر المشكلة الأكثر أهمية في المقال: الخلط بين المؤسسة الملكية وبين الأشخاص الذين يتحركون حولها.
فؤاد عالي الهمة، مهما كان حجم نفوذه، ليس المؤسسة الملكية.
ومدير جهاز أمني ليس الملكية.
ومستشار الملك ليس الدولة.
وأي دائرة نفوذ حول مركز القرار لا يمكن اختزال النظام كله فيها.
هذا الفصل لا يمنح حصانة لأي شخص، بل يفعل العكس تماماً.
إذا امتلك شخص نفوذاً واسعاً، فمن المشروع السؤال عن حدوده.
وإذا تجاوز مسؤول اختصاصه، فمن المشروع التحقيق في ذلك.
وإذا ثبت أن جهازاً ارتكب تجاوزاً، فالمسؤولية يجب أن تحدد في مكانها وبين أصحابها.
أما جمع كل هذه المستويات في كلمة واحدة ثم تحميل المؤسسة أفعال الأفراد، فهو لا يكشف المسؤولية، بل يذيبها.
وهنا تحديداً يجب التمييز بين الملكية بوصفها مؤسسة وبين النفوذ بوصفه حالة مرتبطة بأشخاص.
النفوذ مهما اتسع يظل مرتبطاً بموقع وشخص ومرحلة سياسية معينة.
المستشار يمكن أن يغادر.
المسؤول يتغير.
مدير الجهاز يُستبدل.
ومراكز القوة نفسها تتحرك وتتبدل.
لذلك فإن التحفظ على دور شخص نافذ، أو انتقاد مستشار، أو التحقيق في جهاز أمني، لا يعني تلقائياً الحكم على مصير المؤسسة الملكية نفسها.
بل إن الفصل بين الاثنين هو الشرط الأول لمحاسبة أصحاب النفوذ من دون تحويلهم إلى مرادف للدولة.
ثم تأتي مسألة صحة الملك، وهي من أكثر النقاط التي تستوجب الحذر.
المقال ينقل أوصافاً من أشخاص يقول إنهم التقوا الملك أخيراً، ويستعمل هذه الأوصاف داخل بناء سياسي أوسع حول الحضور والقدرة على إدارة الأزمات ومستقبل الحكم.
لكن الوصف الذي يقدمه شاهد لا يساوي تقريراً طبياً، والانطباع لا يتحول إلى تشخيص، ولا يمكن بناء استنتاج سياسي واسع حول مستقبل مؤسسة كاملة على أوصاف شخصية من هذا النوع.
يمكن للمجلة أن تقول إن مصادرها رأت كذا أو وصفت كذا.
لكن هناك فرقاً واضحاً بين نقل كلام المصادر وبين تحويله إلى أساس لتحليل مستقبل الحكم.
وعندما نجمع مسار المقال كاملاً يظهر البناء بوضوح: سبتة، البطالة، المدرسة، صحة الملك، «Safir»، «Bureau 21»، إسبانيا، الأجهزة، فؤاد عالي الهمة، للا سلمى، ولي العهد، ثم الخلافة.
وبمجرد وضع كل هذه الملفات في خط واحد، تبدو وكأن كل واحدة منها تثبت الأخرى.
لكنها لا تفعل.
البطالة لا تثبت «Bureau 21».
و«Bureau 21» لا يثبت أن أحداث سبتة كانت انتقاماً من إسبانيا.
ووجود «Safir» لا يثبت وجود معركة خلافة.
ونفوذ مستشار، حتى إذا ثبت اتساعه، لا يساوي المؤسسة الملكية.
وهذا هو الخط الفاصل الذي كان ينبغي أن يحكم المقال كله.
يمكن نقد المغرب بقسوة دون ربط ملفات لم تثبت الصلة بينها.
ويمكن مساءلة أصحاب النفوذ دون تحميل المؤسسة أفعالهم.
ويمكن التحقيق في الأجهزة دون تحويل كل فعل محتمل لمسؤول إلى عنوان عن مستقبل الملكية.
بل قد تكون حماية المؤسسات نفسها مرتبطة بوضوح المسؤوليات: من قرر، من نفذ، من تجاوز اختصاصه، ومن يجب أن يُسأل.
أما أن يتحول كل شيء إلى كتلة واحدة اسمها «القصر» أو «المخزن»، فهذا لا يجعل الصورة أوضح، بل أكثر ضبابية.
ولهذا لا يحتاج الرد على The Economist إلى إنكار مشاكل المغرب.
المغرب لا يصبح أقوى لأننا نقول إن المدرسة بخير إذا كانت الأرقام تقول غير ذلك، ولا لأننا نتجاهل البطالة أو الفوارق أو أسئلة الحريات.
كما أن الدفاع عن المؤسسة الملكية لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع عن كل شخص يوجد بالقرب منها.
المعيار يجب أن يكون واحداً: من أخطأ يُسأل عن خطئه، ومن وُجه إليه اتهام خطير يجب أن يُواجه بدليل في مستوى ذلك الاتهام.
وهنا تقع المفارقة الأكبر في مقال The Economist.
المجلة قدمت بنفسها العبارة التي تضع حدود جزء أساسي من روايتها: الادعاءات صعبة التحقق.
لكن بدل أن يؤدي هذا الاعتراف إلى مزيد من الحذر، استمرت الرواية في التوسع حتى وصلت إلى الحكم على مستقبل العرش والملكية.
وهذا هو موضع الاعتراض الحقيقي.
ليس لأن المجلة انتقدت المغرب.
وليس لأنها تحدثت عن الملك.
وليس لأنها اقتربت من الأجهزة أو المستشارين.
بل لأن الانتقال من وقائع قابلة للتحقق إلى ادعاءات شديدة الحساسية، ثم إلى حكم واسع على مؤسسة ودولة، يحتاج إلى جسر من الأدلة أقوى بكثير مما عرضه المقال.
فالملكية ليست مستشاراً.
والدولة ليست جهازاً أمنياً.
والمغرب ليس «Safir».
والنفوذ مهما طال لا يصبح مؤسسة.
الأشخاص يمرون، والمواقع تتغير، ومراكز القوة تتبدل.
أما الحكم على مستقبل مؤسسة ودولة كاملة، فلا ينبغي أن يقوم على سلسلة من الادعاءات يكون بعض أكثر عناصرها حساسية، باعتراف أصحاب الرواية أنفسهم، صعب التحقق.
وهنا كان يفترض أن تفصل The Economist بوضوح بين ثلاثة مستويات: ما تعرفه، وما نقلته عن مصادر، وما استنتجته هي.
لأن الفرق بين هذه المستويات ليس تفصيلاً تحريرياً.
إنه جوهر الصحافة.
