بقلم: الباز عبدالإله
بعد سنوات من تدفق التمويلات والقروض وبرامج المواكبة التقنية على قطاعات مغربية تمتد من الصحة والتعليم إلى الطاقة والنقل والحكامة، تفتح فرنسا تقييماً واسعاً يمتد إلى 15 سنة من تعاونها مع المغرب، ولا يقف عند حجم الأموال المرصودة، بل يضع النتائج والفعالية المالية والأثر المحقق في صلب عملية الفحص.
المعطى تكشفه دعوة رسمية للمنافسة أطلقتها «لجنة تقييم المساعدة العمومية للتنمية» الفرنسية، تحت عنوان: «تقييم التعاون الفرنسي لدى شركاء من الصف الأول: دروس 15 سنة من الالتزام في المغرب والسنغال».
وحمل طلب العروض المرجع 26042_CEAPD، وحددت مدة المهمة في 18 شهراً، فيما تقرر إغلاق باب تقديم العروض في 16 أكتوبر 2026.
ولا يتعلق الأمر بإعداد دراسة عامة عن العلاقات الفرنسية المغربية، بل بتقييم يصدر عن لجنة أحدثها القانون الفرنسي ووضع تحت اختصاصها فحص مدى ملاءمة مشاريع وبرامج المساعدة العمومية للتنمية، وقياس النتائج التي حققتها، ومدى فعاليتها مالياً، فضلاً عن قياس انسجامها مع أولويات السياسة الخارجية والتعاون والمصالح الفرنسية في الخارج.
ويذهب المرسوم المنظم لعمل اللجنة أبعد من ذلك، إذ يسمح لها بتقييم تكاليف تدبير التدخلات الممولة عبر مختلف قنوات المساعدة الفرنسية مقارنة بالنتائج والآثار المتحققة، بما يتيح في النهاية صياغة توصيات بشأن كيفية تطوير هذه السياسة مستقبلاً.
وبذلك، فإن السؤال الذي يفتحه التقييم الجديد لا يرتبط فقط بحجم ما التزمت فرنسا بتمويله خلال 15 عاماً من التعاون مع المغرب، وإنما أيضاً بما أنتجته هذه الأموال والبرامج على أرض الواقع، ومدى تناسب الكلفة المالية والإدارية مع النتائج المحققة.
وتكشف الأرقام المنشورة من طرف الوكالة الفرنسية للتنمية حجم الرهان الذي سيكون موضوع هذا الفحص.
ففي الفترة الممتدة بين 2020 و2024 وحدها، بلغت التزامات مجموعة الوكالة الفرنسية للتنمية في المغرب نحو 2.2 مليار يورو، موزعة على طيف واسع من القطاعات والسياسات العمومية.
ولا يعني رقم 2.2 مليار يورو بالضرورة أن المبلغ صُرف بالكامل داخل المغرب خلال الفترة نفسها، إذ يتعلق، وفق وثائق الوكالة، بحجم الالتزامات المالية المسجلة خلال خمس سنوات.
واستحوذ مجال التنمية الحضرية على الحصة الأكبر بنحو 509 ملايين يورو، تلاه قطاع الطاقة بـ350 مليون يورو، ثم الصحة بـ317 مليوناً، والفلاحة والتنوع البيولوجي بـ274 مليوناً، والحكامة بـ184 مليون يورو، والنقل بـ175 مليوناً، فيما بلغت الالتزامات المرتبطة بالتعليم والتشغيل والتكوين المهني نحو 169 مليون يورو.
وتشمل المحفظة أيضاً 119 مليون يورو للماء والتطهير، و98 مليوناً للمؤسسات المالية، إضافة إلى تمويلات مرتبطة بالصناعة والخدمات والرقمنة، ما يجعل التقييم المرتقب ممتداً عملياً عبر عدد من أكبر الملفات التي رافقت السياسات العمومية المغربية خلال السنوات الماضية.
وحجم العلاقة المالية يتضح أكثر عند النظر إلى مستوى الانكشاف المالي للوكالة الفرنسية للتنمية بالمغرب.
فبحسب أحدث معطيات الوكالة، بلغ هذا الانكشاف نحو 3.2 مليارات يورو في دجنبر 2024، مع تدخل الوكالة وشركتيها «Expertise France» و«Proparco» في القطاعين العام والخاص.
وتكتسب عملية التقييم بعداً إضافياً عند العودة إلى أرقام المساعدة العمومية الفرنسية نفسها.
ففي جواب رسمي للحكومة الفرنسية عن سؤال برلماني، كشفت باريس أنه من أصل 505.6 ملايين يورو جرى احتسابها لفائدة المغرب سنة 2023، كانت 186 مليون يورو فقط مرتبطة بعمليات في شكل منح، ومن داخل هذه المنح كانت 148 مليون يورو عبارة عن نفقات منفذة داخل فرنسا.
وهذه الأرقام تحتاج إلى قراءة دقيقة حتى لا تُحمّل ما لا تحتمل.
فوجود نفقات منفذة داخل فرنسا لا يعني أنها أموال كان يفترض تحويلها مباشرة إلى المغرب ثم بقيت في فرنسا، لأن قواعد احتساب المساعدة العمومية للتنمية تسمح بإدراج أصناف من النفقات المنفذة فوق التراب الفرنسي.
ومن بينها، وفق التوضيحات الرسمية الفرنسية، المنح وتكاليف دراسة الطلبة الأجانب وبعض النفقات المرتبطة باستقبال اللاجئين والتدبير الإداري للمساعدة الإنمائية.
لكن الرقم يطرح في المقابل سؤالاً يصبح أكثر أهمية مع إطلاق تقييم 15 سنة من التعاون: ما حجم الأموال التي تحولت فعلياً إلى تدخلات ومشاريع داخل المغرب، وما حجم النفقات التي احتُسبت محاسبياً ضمن المساعدة المرتبطة بالمملكة رغم تنفيذها داخل فرنسا، وما النتائج الملموسة التي تقابل مختلف هذه التدفقات؟
ويؤكد تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي استمرار المغرب ضمن أكبر البلدان المستفيدة من المساعدة الثنائية الفرنسية، إذ حل سنة 2024 في المرتبة الثانية بمبلغ 318.7 مليون يورو، خلف كوت ديفوار.
ويشير المصدر نفسه إلى أن احتساب هذه المساعدات يتضمن أيضاً نفقات منفذة داخل فرنسا، من بينها بعض المنح وتكاليف دراسة الطلبة الأجانب، وهو ما يزيد من أهمية التفريق بين المبالغ المحتسبة إحصائياً كمساعدة تنموية وبين الأموال التي تصل بصورة مباشرة إلى مشاريع أو مؤسسات داخل البلدان المستفيدة.
وتمنح القواعد المنظمة للجنة الفرنسية صلاحيات تجعل التقييم أكثر من مجرد تجميع للأرقام المتاحة سلفاً.
فأعضاء هيئة الخبراء يستطيعون طلب المعلومات الضرورية من مصالح الدولة الفرنسية والهيئات العمومية المنخرطة في سياسات التنمية، وهذه الجهات ملزمة بالاستجابة، كما يحق للخبراء القيام بتنقلات في إطار أعمال التقييم.
أما المخرج النهائي للعملية، فلن يبقى محصوراً داخل الإدارة الفرنسية.
فالقواعد تنص على إحالة تقارير التقييم والتوصيات على البرلمان وعلى الجهات العمومية المعنية، ثم إتاحتها للعموم، فيما يتعين على الجهات الفرنسية التي تستهدفها التوصيات تقديم أجوبة مكتوبة بشأن كيفية التعامل معها، مع إمكانية متابعة تنفيذ تلك التوصيات لاحقاً.
لهذا لا تكمن أهمية الإعلان الفرنسي الجديد في وجود صفقة دراسات مدتها 18 شهراً فقط، وإنما في الفترة التي اختارت باريس وضعها تحت المجهر: خمسة عشر عاماً من التعاون مع المغرب ومليارات اليوروهات من الالتزامات والتمويلات المرتبطة بقطاعات حيوية.
كما أن التقييم يأتي في سياق فرنسي أصبحت فيه المساعدة العمومية للتنمية بدورها محل نقاش متزايد حول الكلفة والأولويات والنتائج، خصوصاً بعد التخفيضات التي مست اعتماداتها خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يجعل مسألة «النتائج مقابل الموارد» جزءاً من النقاش الفرنسي نفسه، وليس مجرد سؤال يتعلق بالدول المستفيدة.
ولا تسمح الوثائق المنشورة حتى الآن بالقول إن باريس اكتشفت اختلالات في مشاريع التعاون بالمغرب، كما لا توجد نتائج نهائية يمكن الاستناد إليها لتقييم نجاح أو فشل البرامج المعنية.
ما يوجد اليوم هو قرار رسمي بفتح عملية تقييم واسعة، ومعايير قانونية تضع النتائج والفعالية المالية وتكاليف التدبير والأثر ضمن ما يمكن فحصه.
لكن عندما توضع 15 سنة من التعاون، ومليارات اليوروهات من الالتزامات، وبرامج مست قطاعات مثل الصحة والتعليم والتشغيل والطاقة والفلاحة والحكامة على طاولة تقييم واحدة، فإن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً إلى حين ظهور التقرير النهائي ليس فقط حجم الأموال التي تحركت بين باريس والرباط، وإنما: ما الذي تغير فعلياً مقابلها، وأين انتهت الكلفة وبدأ الأثر؟
