بقلم: الباز عبدالإله
أعاد الرئيس السابق لحكومة كتالونيا، كارلس بوجديمونت، ملف سبتة ومليلية إلى قلب الجدل السياسي الإسباني، بعدما وصف المدينتين بأنهما «مستعمرتان أو مدينتان داخل المغرب»، معتبراً أن وضعهما يمثل، من المنظور المغربي، «جرحاً»، قبل أن يدافع عن الاحتكام إلى استفتاء لتقرير المصير في معرض حديثه عن مستقبل المدينتين.
وجاءت تصريحات بوجديمونت ضمن مقابلة مطولة مع صحيفة «The Times» البريطانية، نُقلت تفاصيلها الأحد 20 شتنبر 2026، وأجريت معه من مقر إقامته بمدينة واترلو البلجيكية، حيث تحدث عن وضعه القانوني ومستقبل الحركة الانفصالية الكتالونية، قبل أن ينقل منطقه المتعلق بحق تقرير المصير إلى ملف سبتة ومليلية.
وقال زعيم حزب «معاً من أجل كتالونيا» إن سبتة ومليلية «مستعمرتان أو مدينتان داخل المغرب»، مضيفاً أنه يتفهم، «من المنظور المغربي»، اعتبار المدينتين بمثابة «جرح». وفي المقابل، أقر بأن سكان سبتة يعتبرون أنفسهم إسباناً بشكل واضح، لكنه رأى أن هذا الموقف سيكتسب، بحسب تعبيره، شرعية أكبر إذا جرى التعبير عنه عبر استفتاء لتقرير المصير.
وبحسب التصريحات المنقولة عن المقابلة البريطانية، يعتقد بوجديمونت أن إسبانيا لن تسمح بتنظيم مثل هذا الاستفتاء، رابطاً ذلك بخشية مدريد، وفق قراءته، من أن يتحول الأمر إلى سابقة يستند إليها الكتالونيون للمطالبة باستفتاء مماثل حول مستقبل كتالونيا.
وقال إن موقف سكان سبتة «سيكتسب الشرعية إذا أجروا استفتاءً لتقرير المصير»، قبل أن يضيف أن رفض إسبانيا لهذا الخيار يعود، في تقديره، إلى الخوف من مطالبة الكتالونيين بالحق نفسه.
ولا تمثل تصريحات بوجديمونت موقفاً رسمياً للحكومة الإسبانية أو قراراً مؤسساتياً صادراً عن سلطات كتالونيا، بل تعكس موقف زعيم سياسي كتالوني يقيم في بلجيكا منذ الأزمة التي أعقبت استفتاء أكتوبر 2017، ويقود حزب «معاً من أجل كتالونيا» الذي شارك خلال السنوات الأخيرة في معادلات برلمانية حساسة داخل مدريد.
وتأتي تصريحاته في ظرف سياسي شديد الحساسية حول سبتة، بعد موجة العبور الجماعي التي شهدتها المدينة في نهاية يوليوز الماضي وما أعقبها من أزمة إنسانية وسياسية داخل إسبانيا، فيما ظلت تداعيات الملف حاضرة خلال شتنبر مع استمرار الجدل حول تدبير الحدود والعلاقة مع المغرب.
وكانت مدريد قد جددت في 12 غشت 2026 رفضها مناقشة السيادة على سبتة ومليلية، عقب تصريحات لوزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي أعاد فيها التأكيد على الموقف المغربي بشأن المدينتين والدعوة إلى معالجة الملف بالحوار. وقالت وزارة الخارجية الإسبانية إن سلامة التراب الإسباني «لم تكن ولن تكون موضع نقاش»، فيما أكدت وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس تمسك مدريد باعتبار المدينتين جزءاً من إسبانيا.
وفي المقابل، يطالب المغرب بسبتة ومليلية، فيما تتمسك مدريد باعتبارهما جزءاً من التراب الإسباني.
وقد أعادت الرباط خلال الصيف طرح الملف من زاوية الحوار، بينما رفضت السلطات الإسبانية فتح نقاش حول السيادة.
وتكشف تصريحات بوجديمونت محاولة توسيع المبدأ السياسي الذي يدافع عنه في كتالونيا ليشمل ملف سبتة ومليلية أيضاً، إذ يجمع بين إقراره بأن سكان سبتة يشعرون بانتماء قوي إلى إسبانيا وبين مطالبته بإتاحة التعبير عن هذا الاختيار عبر استفتاء رسمي.
وبحسب المنطق الذي عرضه بوجديمونت نفسه، فإن رفض مدريد لمثل هذا الاستفتاء لا يرتبط فقط بتمسكها بالسيادة على المدينتين، وإنما أيضاً، في تقديره، بخشيتها من أن يؤدي قبول مبدأ تقرير المصير هناك إلى تقوية مطالبة الحركة الاستقلالية الكتالونية بالحق نفسه داخل كتالونيا.
