لم يحتج الدكتور محمد جمال معتوق إلى كثير من المقدمات وهو يتوقف، خلال مداخلة على إذاعة «أصوات»، عند الوعد السياسي بالوصول بالتعليم المغربي إلى المرتبة السادسة عالمياً.
وضع الرقم مباشرة أمام امتحان المنطق، وسأل عن الطريق والمال والزمن والوسائل، قبل أن يختصر اعتراضه بعبارة واضحة: «شي شوية ديال العقل، شي شوية ديال المعقول، شي شوية ديال المنطق، شي شوية ديال المقبول.. ماشي بزاف».
المداخلة جاءت على خلفية تصريحات فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة والوزير المنتدب المكلف بالميزانية، خلال لقاء حزبي بمدينة أزرو في 11 شتنبر 2026، حين تحدث عن طموح الوصول بقطاعي التعليم والصحة إلى المرتبة السادسة عالمياً.
لقجع أقر بصعوبة الهدف، لكنه اعتبر بلوغه ممكناً بالإرادة وحسن الاختيار والعمل.
معتوق لم يعترض على حق أي حزب في رفع سقف الطموح، ولم يقل إن المغرب ينبغي أن يتخلى عن إصلاح مدرسته أو السعي إلى مواقع متقدمة دولياً، لكن اعتراضه انصب على المسافة الفاصلة بين إطلاق رقم كبير أمام الناخبين وبين تقديم الخطة التي ستحوله إلى سياسة عمومية قابلة للقياس والمحاسبة.
وبلغته المباشرة، طرح السؤال: «كيفاش غادي نديروها؟».
بالنسبة إليه، لا يمكن القفز مباشرة إلى «السادسة عالمياً» بينما توجد في الطريق ملفات ثقيلة مرتبطة بالمدرسة في العالم القروي، والبنية التحتية، والمرافق الصحية، والنقل المدرسي، والأساتذة والتجهيزات وجودة التعلمات.
وقبل الوصول إلى ترتيب عالمي، هناك سلسلة من الاختلالات التي تحتاج إلى معالجة واضحة ومتدرجة.
ومن هنا انتقل معتوق إلى سؤال أعمق يتعلق بطريقة تدبير المال والسياسات العمومية.
فالمواطن، كما قال، يسمع غالباً الرقم أو القرار بعد خروجه إلى العلن، لكنه لا يوجد داخل الدوائر التي تتخذ فيها القرارات، ولا يعرف دائماً كيف توزع الاعتمادات، ولماذا اختيرت ميزانية دون أخرى، وما الهدف الذي حدد لها، ومن استفاد منها، ثم هل تحققت النتيجة التي صرف المال من أجلها أم لا.
وتزداد قوة هذه الأسئلة عند وضعها أمام أحدث المعطيات الدولية حول المدرسة المغربية.
فنتائج برنامج PISA 2025 أظهرت أن أداء التلاميذ المغاربة ظل دون متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في الرياضيات والقراءة والعلوم، مع استمرار فجوة واضحة في التعلمات الأساسية.
لكن عبارة «المرتبة السادسة عالمياً» تطرح بدورها سؤالاً تقنياً لا يقل أهمية: السادسة وفق أي مؤشر؟ فليس هناك ترتيب عالمي واحد ونهائي يسمى «ترتيب التعليم» يمكن اختزال منظومة كاملة فيه.
هناك اختبارات ومؤشرات مختلفة تقيس التعلمات والجودة والولوج والمساواة ومكونات أخرى، وبالتالي فإن تحويل «السادسة عالمياً» من طموح سياسي إلى التزام قابل للمحاسبة يقتضي تحديد المقياس والمدة ونقطة الانطلاق.
حتى على مستوى الإنفاق، لا يبدأ النقاش من موارد هامشية. فميزانية التعليم ارتفعت من نحو 58 مليار درهم سنة 2021 إلى قرابة 99 مليار درهم سنة 2026، أي بزيادة تفوق 68 في المائة.
وهنا يصبح السؤال الذي فتحه معتوق أكثر إلحاحاً: إذا كانت الموارد ارتفعت بهذا الحجم، فما النتيجة التعليمية التي تحققت في المقابل؟ وما الذي ينبغي أن يتغير في طريقة صرفها حتى تتحول الزيادة المالية إلى تحسن ملموس داخل القسم؟
معتوق استعمل السخرية ليشرح حجم المسافة بين الواقع والهدف، متحدثاً عن المدارس القروية والنقل والمرافق والأساتذة، ومشيراً إلى أن إصلاح كل هذه الملفات يحتاج إلى عمل متدرج، لا إلى قفزة رقمية سريعة.
وكأن رسالته تقول إن المنظومات التعليمية لا تنتقل إلى الصفوف الأولى عالمياً بمجرد إعلان الهدف، بل بتراكم إصلاحات تقاس نتائجها سنة بعد أخرى.
لكن أكثر لحظات مداخلته إثارة جاءت عندما انتقل إلى كرة القدم، بعدما أصبحت النجاحات الرياضية جزءاً من الحجة المستعملة للدفاع عن إمكانية تحقيق قفزات مشابهة في قطاعات أخرى.
لم ينف معتوق المجهود الذي بذله المسؤولون عن كرة القدم، بل أقر بأنهم تحركوا وسافروا وعقدوا الاجتماعات وبحثوا عن اللاعبين والكفاءات.
لكنه توقف عند كون جزء مهمّ من لاعبي المنتخب الوطني وُلدوا أو تلقوا تكوينهم الرياضي خارج المغرب، داخل مدارس وأكاديميات أجنبية، قبل أن يختاروا تمثيل بلد أصولهم.
وقال إن المسؤول عن المجال «جرى وسافر ودار اجتماعات وتكرفس»، لكنه رفض في المقابل اختزال النجاح كله في كونه ثمرة حصرية لمنظومة تكوين محلية.
ومن كرة القدم انتقل مباشرة إلى السياسة، وهنا أطلق واحدة من أكثر عباراته لفتاً للانتباه.
قال، بسخرية، إنه كان يتمنى لو يتم التعامل مع صناعة الفريق السياسي بالطريقة نفسها التي جرى بها البحث عن المواهب الكروية، مقترحاً البحث عن كفاءات مغربية في أمريكا وأوروبا وفنلندا وستوكهولم وطوكيو، ثم إخضاعها لتكوين في الاقتصاد والقوانين والمؤسسات المغربية قبل الدفع بها إلى مواقع المسؤولية.
واختصر الفكرة قائلاً: «كنت نتمنى لو كان عندنا فريق سياسي بحال هكا… نجيبوهم وندخلوهم لواحد المعهد ديال التكوين السياسي، ونقولو ليهم ها القوانين المغربية وها الاقتصاد المغربي كي داير… وتعطيونا حكومة يمكن نوصلو حتى حنا لنصف النهاية».
السخرية تحولت بعدها إلى نقد مباشر لتجدد النخب، إذ قال معتوق إن المغاربة ظلوا يسمعون أسماء سياسية متكررة منذ سنوات طويلة، قبل أن يطلق عبارته: «حنا في السياسة بقاو لاعبين بنفس الوجوه… نفس الوجوه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها».
وإذا كان هذا التوصيف يبقى رأياً سياسياً لمعتوق وليس نتيجة دراسة حول تركيبة النخب، فإنه يكشف كيف توسعت المداخلة من مناقشة وعد تعليمي إلى سؤال أكبر يتعلق بطريقة صناعة السياسة نفسها: من يصنع الوعود؟ وكيف توضع؟ وبأي وسائل ستنفذ؟ وكيف سيحاسب أصحابها بعد انتهاء الانتخابات؟
وتوقف معتوق أيضاً عند ما تفعله الحملات الانتخابية بالمشهد السياسي، معتبراً أنها تتحول أحياناً إلى لحظة يبدأ فيها الفاعلون في كشف تفاصيل وانتقاد ملفات لا تصل كواليسها إلى المواطن في الأيام العادية.
فالمواطن يرى القرار بعد صدوره، لكنه لا يرى دائماً كيف اتخذ، وكيف قسمت الميزانيات، وما الهدف الذي وضع لها، وهل انتهى الإنفاق إلى النتيجة التي كان يفترض تحقيقها.
ولهذا قال إن ما يبقى للمواطن في كثير من الأحيان هو «الشفوي»؛ السؤال والاحتجاج والكلام، في غياب الأدوات نفسها التي يمتلكها من يوجد داخل دوائر القرار.
لكن جوهر السجال لا يتعلق في النهاية بمعرفة ما إذا كان الرقم «ستة» كبيراً أو صغيراً، ولا بإصدار حكم مسبق على إمكانية بلوغه.
القضية أبسط وأكثر قابلية للمحاسبة: إذا أصبح الوصول بالتعليم المغربي إلى المرتبة السادسة عالمياً جزءاً من الطموح السياسي المعلن، فمن حق الرأي العام أن يعرف: السادسة وفق أي مؤشر؟ وفي أي أفق زمني؟ ومن أي نقطة سينطلق المغرب؟ وما الكلفة؟ وما الإصلاحات المحددة التي ستنفذ في كل مرحلة؟
لقجع نفسه أقر بأن الهدف ليس سهلاً وربطه بالإرادة والعمل وحسن الاختيار، لكن مداخلة معتوق وضعت أمام هذا الطموح سؤالاً لا يمكن تجاوزه: الإرادة السياسية وحدها لا تنتج ترتيباً دولياً؛ يجب أن تتحول إلى برنامج، وميزانية، ومؤشرات، وآجال، ثم نتائج يمكن للمغاربة قياسها.
وبين نحو 99 مليار درهم تُرصد للتعليم، ونتائج دولية ما تزال تكشف فجوات واضحة في التعلمات، ورقم «السادسة عالمياً» الذي دخل النقاش الانتخابي، تصبح المسألة أكبر من مجرد سجال إذاعي.
هناك نقطة انطلاق، وهناك هدف معلن. وما بينهما هو بالضبط ما يطالب معتوق بكشفه: الطريق.
أما معتوق، فاختصر كل ذلك في عبارة واحدة: «شوية ديال العقل.. شوية ديال المعقول.. شوية ديال المنطق».
