بقلم: الباز عبدالإله
قبل أربعة أيام فقط من موعد اقتراع 23 شتنبر 2026، لم تعد الأسئلة المطروحة في الشارع السياسي تتوقف عند حسابات القاسم الانتخابي أو هوية الفائزين بالمقاعد البرلمانية، بعدما دفعت تسجيلات وتصريحات متداولة بادعاءات ثقيلة إلى الواجهة، تتحدث عن رخص للصيد البحري بقيمة مليارات السنتيمات، وتزكيات انتخابية تحيط بها اتهامات مرتبطة بالمال والنفوذ، وشبهات تلاحق أسماء تخوض السباق نحو المؤسسة التشريعية.
أخطر ما حملته هذه التصريحات لا يتعلق بعرض وثيقة مادية بعينها، بل بالوصف الذي قدمه المتحدث للطريقة التي قال إن بعض رخص الصيد البحري تمنح بها، إذ تحدث عن «ورقة خاوية» تحمل توقيع زكية الدريوش، كاتبة الدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات المكلفة بالصيد البحري، قبل استكمال بيانات الرخصة والمستفيد منها، وهي رواية ثقيلة تضع مسطرة منح هذه الامتيازات نفسها تحت سؤال التحقق والمساءلة.
وإذا صح ما ورد في هذا التصريح، فإن الملف يتجاوز الشبهة الفردية إلى سؤال يتعلق بالمنظومة نفسها، هل تسمح المساطر المعمول بها داخل قطاع الصيد البحري بتوقيع وثيقة ترخيص قبل تحديد المستفيد واستكمال بياناتها، ومن يملك صلاحية الاحتفاظ بمثل هذه الوثائق وتعبئة بياناتها لاحقاً، وعلى أي أساس يتم اختيار المستفيدين، وما هي آليات المراقبة التي تمنع إمكانية استعمال توقيع رسمي موضوع على وثيقة غير مكتملة للحصول على امتياز اقتصادي ذي قيمة مرتفعة.
خطورة هذا الوصف تزداد بالنظر إلى القيمة الاقتصادية للثروة البحرية وطبيعة النظام التنظيمي الذي يخضع له القطاع، وهو ما يجعل معرفة المساطر والمعايير التي تمنح وفقها التراخيص جزءاً أساسياً من سؤال الشفافية وتكافؤ الولوج إلى الامتيازات المرتبطة باستغلال الموارد البحرية.
ويزداد الملف ثقلاً بعدما تحركت النيابة العامة، السبت 19 شتنبر، في قضية انتخابية أخرى بسطات، حيث أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف فتح بحث قضائي بشأن ظروف وملابسات تسجيل وتسريب وتداول شريط صوتي يتضمن، وفق البلاغ، مضامين من شأنها المساس بصورة العملية الانتخابية ونزاهتها، وعهد بالبحث إلى المصالح المختصة للتثبت من حقيقة التسجيل ومن الأفعال التي يحتمل أن تشكل جرائم يعاقب عليها القانون.
هذا التحرك يطرح سؤالاً مؤسساتياً واضحاً، إذا كان تداول شريط صوتي بسطات قد استدعى فتح بحث للتثبت من حقيقة ما ورد فيه، فهل تستدعي تصريحات علنية تصف طريقة مفترضة لمنح امتيازات في الصيد البحري عبر «ورقة خاوية» تحمل توقيع المسؤولة الحكومية عن القطاع، وترتبط وفق أصحابها بقيم مالية تصل إلى مليارات السنتيمات، مستوى مماثلاً من التحقق المؤسساتي.
المطالبة بالتحقق لا تعني إدانة زكية الدريوش أو أي طرف آخر قبل كلمة القضاء، ولا تعني التسليم بصحة الادعاءات المتداولة، بل تعني وضع حد للضبابية عبر التثبت من المساطر الواقعية المعمول بها داخل الإدارة، وهل توجد فعلاً وثائق توقع قبل استكمال بياناتها، ومن يملك صلاحية إعدادها وحفظها وتسليمها، ومن يحدد المستفيد منها، وما إذا كانت هذه الطريقة، إن وجدت، مطابقة للقانون.
إذا تبين أن هذه الادعاءات لا أساس لها، فإن إعلان الحقيقة يصبح ضرورياً لحماية المسؤولين والمرفق العمومي من اتهامات ثقيلة قد تستعمل في سياق انتخابي شديد الحساسية، أما إذا أثبت التحقيق وجود ممارسة من هذا النوع، فإن القضية ستتجاوز فوراً حدود السجال الانتخابي إلى ملف يرتبط بالحكامة الإدارية والشفافية في توزيع امتيازات اقتصادية ذات قيمة مرتفعة.
تقاطع هذه القضية مع اتهامات أخرى تتعلق بشراء التزكيات والمواقع داخل اللوائح الانتخابية يزيد من حساسية المرحلة، لأن أي ربط بين المال والامتيازات والولوج إلى التمثيلية السياسية، إذا ثبت، يمس مباشرة بمبدأ تكافؤ الفرص وبشروط المنافسة الانتخابية، أما إذا لم يثبت فيجب بدوره حسمه بوضوح حتى لا تتحول الشبهة إلى حكم سياسي جاهز.
المسألة اليوم لا تتعلق إذن بإثبات «ورقة متداولة»، بل بالإجابة عن سؤال أبسط وأثقل، هل الطريقة التي وصف بها منح بعض رخص الصيد البحري صحيحة أصلاً، وهل يمكن أن تحمل وثيقة ترخيص توقيع المسؤولة الحكومية قبل استكمال بيانات المستفيد، ومن يملأ تلك البيانات لاحقاً، وعلى أي أساس، وتحت أي رقابة.
النيابة العامة تحركت في سطات للتحقق من شريط صوتي يمس العملية الانتخابية، ولذلك يصبح السؤال مشروعاً قبل اقتراع 23 شتنبر، هل ستفتح الجهات المختصة باب التحقق أيضاً من تصريحات تتحدث عن رخص صيد بـ«ورقة خاوية» وتوقيع حكومي ومليارات السنتيمات، أم ستغلق صناديق 23 شتنبر قبل أن يُفتح هذا الملف، وتبقى ادعاءات التوقيع والمليارات بلا جواب رسمي يثبتها أو ينفيها؟
