وضع الباحث والكاتب إدريس الكنبوري الرفع المرتقب للتمثيل الدبلوماسي بين المغرب وإسرائيل إلى مستوى السفارات تحت مجهر قراءة سياسية تتجاوز الإعلان الرسمي، معتبراً أن واشنطن وتل أبيب تحاولان تقديم الحالة المغربية باعتبارها «قصة النجاح» الأبرز لاتفاقيات أبراهام، في الوقت الذي تعثرت فيه، بحسب تحليله، عملية توسيع هذه الاتفاقيات نحو دول عربية وإسلامية جديدة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.
الكنبوري انطلق من الاتفاق الذي أُعلن عنه الأربعاء 16 شتنبر 2026 خلال اجتماع ثلاثي في نيويورك جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره الإسرائيلي جدعون ساعر والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، والذي نص على الارتقاء بمكتبي الاتصال إلى سفارتين وتبادل السفراء، والعمل على استئناف الرحلات الجوية المباشرة، إلى جانب الدفع نحو استكمال اتفاقيتي حماية الاستثمارات وتفادي الازدواج الضريبي، فيما جرى مجدداً التأكيد على المواقف الأمريكية والإسرائيلية المرتبطة بالسيادة المغربية على الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي.
لكن ما يراه الكنبوري «نجاحاً» في المسار المغربي الإسرائيلي، يقرأه من الزاوية المقابلة باعتباره كاشفاً عن حدود المشروع الإبراهيمي نفسه، إذ إن مرور ست سنوات على توقيع الاتفاقات الأولى لم يؤد، بحسب قراءته، إلى موجة واسعة من انضمام دول عربية وإسلامية جديدة كما كانت تراهن واشنطن وتل أبيب، رغم الحديث المتكرر خلال السنوات الماضية عن إمكانية التحاق السعودية ودول أخرى.
وتعود اتفاقيات أبراهام في صيغتها الأصلية إلى 15 شتنبر 2020، عندما وقعت الإمارات والبحرين اتفاقيتي تطبيع مع إسرائيل في البيت الأبيض، قبل أن يدخل المغرب المسار في دجنبر من السنة نفسها عبر الإعلان الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي، فيما ارتبط مسار السودان بإعلان سياسي لم يتطور بالوتيرة نفسها إلى علاقات دبلوماسية مكتملة.
ويرى الكنبوري أن إحدى العقد الأساسية التي حالت دون اتساع هذا المسار توجد في الملف الفلسطيني، إذ لم تعد عواصم عربية كبرى مستعدة، حسب قراءته، للانتقال إلى تطبيع كامل من دون مقابل سياسي واضح في القضية الفلسطينية، واضعاً السعودية في مقدمة هذا النموذج، خصوصاً أن الرياض ظلت تربط إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل بمسار يقود إلى إقامة دولة فلسطينية.
ولم يبق هذا التعثر مجرد افتراض سياسي، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يوليوز 2026 أنه لن يمضي في اتفاق للتعاون النووي المدني مع السعودية ما لم تنضم المملكة إلى اتفاقيات أبراهام، فيما بقي الموقف السعودي المعلن مرتبطاً بتحقيق تقدم لا رجعة فيه نحو إقامة دولة فلسطينية، ولم تكن العلاقات السعودية الإسرائيلية قد وصلت إلى التطبيع الرسمي حتى شتنبر 2026.
من هنا ينتقل الكنبوري إلى النقطة الأكثر حساسية في تحليله، معتبراً أن المغرب يختلف عن باقي الدول التي دخلت هذا المسار، لأن استئناف علاقاته مع إسرائيل سنة 2020 تزامن مع قرار أمريكي بالاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، وهو ما يجعل هذا الملف، في نظره، حاضراً باستمرار داخل البناء السياسي للعلاقة الثلاثية بين الرباط وواشنطن وتل أبيب.
وبالنسبة إلى الكنبوري فإن هذا الارتباط يقلص هامش المناورة المغربي مقارنة بدول دخلت علاقاتها مع إسرائيل انطلاقاً من اعتبارات اقتصادية أو أمنية أو استراتيجية يمكن أن يعاد حسابها مع تغير الظروف، ويذهب في تحليله إلى وصف المغرب بأنه أصبح «الحلقة الأضعف» داخل هذا البناء، ليس من حيث موقعه أو أهميته الإقليمية، وإنما من زاوية مساحة الحركة التي يعتقد أنها أصبحت أضيق بسبب ارتباط أحد أهم الملفات السيادية المغربية بهذه العلاقة.
ويستدل الكنبوري على أطروحته بعودة قضية الصحراء مجدداً داخل إعلان يتعلق أساساً بالسفارات والسفراء والطيران والاستثمار والضرائب، معتبراً أن استحضار الملف في هذه المرحلة يعكس استمرار الترابط السياسي الذي تأسس سنة 2020، غير أن تفسير ذلك باعتباره وسيلة ضغط أو تقليصاً لهامش المغرب يبقى قراءة سياسية للكنبوري وليس موقفاً معلناً من الأطراف الثلاثة.
الكنبوري لا يقف عند حدود الرباط، بل يربط توقيت الاتفاق أيضاً بالحسابات الداخلية الإسرائيلية، إذ يعتبر أن بنيامين نتنياهو يحتاج قبل الانتخابات إلى تقديم إنجاز دبلوماسي ملموس للناخب الإسرائيلي بعد سنوات من الحروب والصدامات الإقليمية، وأن الانتقال بالعلاقات مع المغرب من مكاتب اتصال إلى سفارات يسمح له بعرض نتيجة سياسية واضحة في ملف اتفاقيات أبراهام بعدما لم يتحقق حتى الآن الاختراق المنتظر مع السعودية.
وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية مع توجه إسرائيل إلى انتخابات تشريعية يوم 27 أكتوبر 2026، وهي أول انتخابات وطنية منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبه من حرب في غزة واتساع المواجهات الإقليمية، ما يجعل السياسة الأمنية والخارجية ونتائج سنوات حكم نتنياهو في قلب المعركة الانتخابية.
الطرف الأمريكي حاضر بدوره بقوة في قراءة الكنبوري، إذ يأتي هذا التطور قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نونبر، وهو ما يجعله يرى أن إدارة ترامب تحتاج هي الأخرى إلى إبراز اتفاقيات أبراهام باعتبارها مشروعاً لا يزال قادراً على إنتاج نتائج سياسية، رغم عدم انضمام السعودية إليه حتى الآن.
لكن أخطر ما يطرحه الكنبوري ليس سؤال السفارات في حد ذاته، بل سؤال ما بعد السفارات، إذ يعتبر أن إسرائيل باتت تنظر إلى المغرب بوصفه بلداً ذا وزن في شمال إفريقيا وبوابة نحو القارة الإفريقية، وأن العلاقة لم تعد محصورة في الدبلوماسية والسياحة، بعدما امتدت خلال السنوات الماضية إلى مجالات الدفاع والتكنولوجيا والتجارة والاستثمار، وهو ما يجعل الانتقال إلى السفارات جزءاً من مسار أوسع من مجرد تغيير مستوى التمثيل الدبلوماسي.
وبهذا المعنى، يقلب الكنبوري الرواية المقدمة حول الاتفاق الأخير، فما تعرضه واشنطن وتل أبيب دليلاً على متانة اتفاقيات أبراهام، يراه هو في الوقت نفسه مؤشراً على أزمة توسعها، لأن «قصة النجاح» التي يجري إبرازها بعد ست سنوات لا تقوم على دخول دولة عربية كبيرة جديدة إلى المشروع، بل على الارتقاء بعلاقة قائمة أصلاً منذ دجنبر 2020.
ويبقى جوهر أطروحة الكنبوري أكثر حدة من ذلك كله، فالمغرب، في نظره، نجح حتى الآن في المحافظة على علاقته الاستراتيجية بالولايات المتحدة وعلى موقفه الرسمي الداعم للحقوق الفلسطينية في الوقت نفسه، لكنه دخل منذ 2020 معادلة شديدة التعقيد أصبحت فيها الصحراء والعلاقة مع إسرائيل والسياسة الأمريكية ملفات تتقاطع داخل المساحة نفسها، ولذلك فإن السؤال الذي يضعه تحليله بعد تبادل السفراء ليس ما إذا كانت العلاقات المغربية الإسرائيلية قد تقدمت، فهذا بات واضحاً، وإنما مقدار هامش المناورة الذي سيظل متاحاً للرباط إذا تغيرت مرة أخرى موازين القوة والتحالفات في الشرق الأوسط.
