بقلم: الباز عبدالإله
كشفت النشرة الرسمية للكونغرس الإسباني، المنشورة يوم 24 شتنبر 2026، أن الأزمة المرتبطة بأحداث سبتة انتقلت إلى خطوة برلمانية أكثر حساسية، بعدما صادق مجلس النواب الإسباني على بند يطالب الحكومة باستدعاء سفيرة المغرب في مدريد مجدداً، وطلب توضيحات من الرباط بشأن تصرف السلطات المغربية خلال أحداث 30 و31 يوليوز، إلى جانب استدعاء سفير إسبانيا لدى المغرب إلى مدريد للتشاور.
الوثيقة الرسمية، التي تحمل رقم 590 ضمن السلسلة D للنشرة الرسمية للكونغرس، توثق نتيجة التصويت الذي جرى في الجلسة العامة يوم 16 شتنبر بشأن المذكرة رقم 173/000189، التي تقدم بها الحزب الشعبي حول الأزمة التي شهدتها سبتة.
وتؤكد قاعدة بيانات مجلس النواب أن المبادرة انتهى مسارها تحت خانة «مصادق عليها دون تعديلات».
البند الأكثر ارتباطاً مباشرة بالعلاقات مع المغرب حصل على تأييد 195 نائباً، مقابل رفض 139 وامتناع 13 نائباً، وهو أعلى عدد من الأصوات المؤيدة بين البنود الثلاثة الواردة في الجزء الثاني من المذكرة.
النص الذي أقره الكونغرس يطالب الحكومة الإسبانية بـ«استدعاء سفيرة المغرب في إسبانيا مجدداً» على خلفية ما جاء في المذكرة بشأن مواقف لمسؤولين مغاربة حول سبتة ومليلية، كما يطالب مدريد بالحصول على «توضيحات واضحة» بشأن تصرف السلطات المغربية خلال أحداث يومي 30 و31 يوليوز.
وتحمل صياغة الوثيقة هنا تفصيلاً أساسياً. فالكونغرس لم يقرر أن السلطات المغربية سمحت أو وافقت أو سهلت العبور الجماعي، وإنما طالب الحكومة الإسبانية بطلب توضيحات بشأن ما إذا كانت السلطات المغربية قد «سمحت أو وافقت أو سهلت» ذلك.
الفرق مهم من الناحية القانونية والصحفية، لأن النص البرلماني يضع المسألة في صيغة واقعة مطلوب توضيحها، وليس باعتبارها نتيجة تحقيق نهائي أو حقيقة مثبتة من طرف الكونغرس.
المذكرة المصادق عليها تضيف إلى ذلك مطالبة الحكومة الإسبانية باستدعاء سفيرها لدى المغرب إلى مدريد للتشاور، وهي خطوة دبلوماسية تختلف عن سحب السفير بصورة نهائية أو قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
المسار البرلماني للمبادرة بدأ يوم 10 شتنبر، عندما قدم الحزب الشعبي المذكرة، قبل مناقشتها والتصويت عليها في الجلسة العامة يوم 16 شتنبر، ثم نشر النص والنتيجة رسمياً في النشرة البرلمانية بتاريخ 24 شتنبر. ويسجل الكونغرس أن المبادرة أُقرت «دون تعديلات».
التصويت لم يقتصر على الشق الدبلوماسي المرتبط بالمغرب. الجزء الأول من المذكرة، المتعلق بتوجيه اللوم إلى وزير الداخلية الإسباني والدعوة إلى إقالته، حصل على 184 صوتاً مؤيداً، مقابل 149 معارضاً و11 امتناعاً.
أما البند الأول من الجزء الثاني، الذي يدعو إلى تعزيز وجود الشرطة الوطنية والحرس المدني، ومعهما القوات المسلحة عند الضرورة، في سبتة، فحصل على 172 صوتاً مؤيداً مقابل 163 معارضاً و12 امتناعاً.
وحصل البند الثاني، المرتبط بإجراءات العودة والترحيل ومعالجة الملفات القانونية للأشخاص الذين دخلوا إلى سبتة، على 183 صوتاً مؤيداً مقابل 163 معارضاً وامتناع نائب واحد.
بينما جاء البند الثالث، المرتبط مباشرة بالمغرب واستدعاء السفيرة وطلب التوضيحات واستدعاء السفير الإسباني للتشاور، في الصدارة بـ195 صوتاً مؤيداً مقابل 139 معارضاً و13 امتناعاً.
الوثيقة الرسمية تكشف في الوقت نفسه حدود ما صادق عليه الكونغرس.
فقد قدم حزب «فوكس» تعديلاً أكثر تشدداً كان يقترح توسيع الإجراءات المرتبطة بالعلاقات مع المغرب، بما يشمل خطوات إضافية بشأن معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون، والعلاقات الثنائية والاتفاقات والمساعدات والتفضيلات المرتبطة بالمغرب.
لكن تلك الإضافات لم تصبح جزءاً من النص النهائي المصادق عليه. فالكونغرس سجل رسمياً أن مذكرة الحزب الشعبي أُقرت «دون تعديلات»، وبقي الشق المرتبط مباشرة بالمغرب محصوراً في إعادة استدعاء السفيرة لطلب التوضيحات واستدعاء السفير الإسباني في المغرب للتشاور.
النص يعيد كذلك إلى الواجهة الاستدعاء الدبلوماسي السابق للسفيرة المغربية، إذ يستعمل بشكل صريح عبارة «استدعاء مجدداً»، ويبرر مقدمو المذكرة هذا الطلب بما يعتبرونه استمراراً لمواقف مرتبطة بسبتة ومليلية.
غير أن هذه المبررات تظل جزءاً من موقف أصحاب المبادرة البرلمانية والنص الذي وافقت عليه الأغلبية، ولا تعني تلقائياً أن الحكومة الإسبانية تبنت جميع التوصيفات السياسية الواردة في حيثيات المذكرة.
المعطى الأبرز في وثيقة 24 شتنبر هو أن المسألة لم تعد مقتصرة على مطالبة حزبية أو تصريح سياسي، بل أصبحت موضوع بند صادق عليه مجلس النواب الإسباني بأغلبية 195 صوتاً، يطلب من السلطة التنفيذية اتخاذ خطوتين دبلوماسيتين مباشرتين تجاه المغرب.
ويبقى التمييز ضرورياً بين تصويت البرلمان على مطالبة الحكومة وبين اتخاذ الحكومة نفسها قراراً دبلوماسياً تنفيذياً.
فالوثائق الرسمية المتاحة تثبت أن الكونغرس أقر الطلب، لكنها لا تثبت، إلى حدود المعطيات المنشورة، أن الحكومة الإسبانية نفذت بالفعل استدعاء جديداً للسفيرة المغربية أو استدعت سفير إسبانيا لدى المغرب إلى مدريد للتشاور.
الجديد إذن هو توثيق البرلمان الإسباني رسمياً أن 195 نائباً أيدوا طلباً مباشراً للحكومة باتخاذ هاتين الخطوتين تجاه المغرب، بينما تنتقل القضية الآن من قاعة التصويت إلى السؤال المتعلق بكيفية تعامل السلطة التنفيذية في مدريد مع ما أقرته الأغلبية البرلمانية.
