بقلم: الباز عبدالإله
قبل يومين فقط من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، وضع تحليل جديد صادر عن المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية «ISPI» المنافسة الانتخابية في الأقاليم الجنوبية للمغرب داخل سياق يتجاوز حسابات المقاعد وتشكيل الأغلبية الحكومية، معتبراً أن التطورات المحيطة بملف الصحراء بدأت تغير مضمون الخطاب الحزبي نفسه، من التركيز التقليدي على «الدفاع» عن القضية إلى التنافس حول الحكامة والتنمية والتمثيل السياسي في أي مرحلة مستقبلية قد يرتبط فيها الملف بصيغة الحكم الذاتي.
التحليل، الذي نشره المركز الإيطالي اليوم الاثنين 21 شتنبر 2026 ووقعته الباحثة كاترينا روجيرو، يرى أن انتخابات هذه السنة تحمل خصوصية بالنسبة إلى جهات العيون–الساقية الحمراء والداخلة–وادي الذهب وكلميم–واد نون، في ظل التحولات الدبلوماسية التي عرفها ملف الصحراء خلال الأشهر الماضية.
ولا يقدم ISPI هذا التحول باعتباره قراراً أممياً نهائياً أو اتفاقاً سياسياً تم التوصل إليه، بل باعتباره قراءة لمسار ترى الباحثة أنه جعل مشروع الحكم الذاتي أكثر حضوراً داخل الحسابات السياسية والحزبية مقارنة بالانتخابات السابقة.
وبحسب تحليل المركز الإيطالي، ظلت الأحزاب المغربية طوال سنوات تتعامل مع ملف الصحراء باعتباره أحد الخطوط السياسية التي لا تخضع للتنافس التقليدي، بالنظر إلى وجود توافق واسع بينها حول الموقف الرسمي للمملكة.
لكن الباحثة ترى أن الجديد في انتخابات 2026 يظهر في طبيعة الخطاب الصادر عن مرشحي الأحزاب الرئيسية في الأقاليم الجنوبية.
فبدلاً من حصر الحديث في الدفاع عن الوحدة الترابية والاستثمارات الكبرى الموجهة إلى المنطقة، بدأ النقاش، وفق تحليلها، يتجه نحو التنمية والحكامة والتمثيل السياسي داخل إطار مستقبلي يمكن أن يصبح فيه مشروع الحكم الذاتي أكثر حضوراً في المفاوضات السياسية.
وهنا يتحول السؤال الانتخابي من «من يدافع أكثر عن ملف الصحراء؟» إلى سؤال مختلف: أي حزب سيمتلك أكبر وزن سياسي وبرلماني داخل هذه الجهات إذا دخل الملف مرحلة جديدة؟
الأرقام التي استند إليها تحليل ISPI تضيف بعداً آخر إلى المنافسة.
فبحسب الباحثة، تتوفر جهتا العيون–الساقية الحمراء والداخلة–وادي الذهب على مجموع 13 مقعداً بمجلس النواب، يضاف إليها 8 مقاعد في جهة كلميم–واد نون.
أي أن الحديث يتعلق بما مجموعه 21 مقعداً يمكن أن يحمل حضورها داخل البرلمان وزناً يتجاوز الحساب العددي البسيط إذا ارتبطت الولاية التشريعية المقبلة بتطورات سياسية جديدة في ملف الصحراء.
ويرصد التحليل بصورة خاصة المنافسة بين ثلاثة أحزاب: الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.
فالاستقلال يحتفظ، وفق الباحثة، بحضور تاريخي قوي في المنطقة، في وقت أصبحت فيه المنافسة أكثر وضوحاً مع دخول التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة بقوة على خط استقطاب الأصوات والمقاعد في الجنوب.
وتخلص الباحثة إلى أن الوجود البرلماني خلال مرحلة قد تشهد نقاشاً متقدماً حول مشروع الحكم الذاتي يمكن أن يكتسب أهمية سياسية خاصة.
والنقطة اللافتة في التحليل الإيطالي هي أن المنافسة بين الأحزاب الثلاثة لم تعد، وفق قراءته، حول الموقف من الصحراء في حد ذاته، لأن الأحزاب تتقاسم أساساً الموقف الرسمي المغربي، وإنما حول سؤال مختلف يتعلق بمن يستطيع ترجمة التحولات الدبلوماسية إلى تنمية اقتصادية واجتماعية داخل الجهات الجنوبية.
وهذا التحول يعكس بدوره انتقال جزء من النقاش من السياسة الخارجية إلى السياسة الداخلية.
فإذا كانت الاعترافات والمواقف الدولية تدار أساساً عبر الدبلوماسية، فإن قضايا الاستثمار والشغل والخدمات والتمثيل والمجالس المنتخبة تدخل مباشرة في صلب المسؤولية السياسية للأحزاب والحكومة والمنتخبين.
ومن هنا يصبح السباق على مقاعد الجنوب أكثر من منافسة انتخابية محلية عادية، على الأقل وفق القراءة التي يقدمها المركز الإيطالي.
ويتقاطع التحليل الإيطالي مع حضور دولي لافت في الأقاليم الجنوبية خلال انتخابات 23 شتنبر.
فالمعهد الجمهوري الدولي الأمريكي «IRI» أعلن رسمياً أن وفداً دولياً لمراقبة الانتخابات يوجد بالمغرب خلال الفترة من 20 إلى 25 شتنبر، وأن مراقبيه سينتشرون يوم الاقتراع تحديداً في جهتي العيون–الساقية الحمراء والداخلة–وادي الذهب.
ويرأس المهمة ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأدنى، إلى جانب تامي لونغابرغر، عضو مجلس إدارة المعهد.
وأوضح «IRI» أن البعثة ستجري تقييماً تقنياً للعملية الانتخابية، وستلتقي السلطات الانتخابية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، قبل إصدار بيان أولي وتقرير شامل بعد انتهاء المهمة.
وأكد المعهد أن عمله سيكون محايداً، وأن تقييمه سيعتمد على القانون المغربي والمعايير الدولية الخاصة بالانتخابات.
ولا يعني اختيار العيون والداخلة من طرف «IRI» اعترافاً أو موقفاً جديداً بشأن الوضع القانوني للنزاع، لكنه يضيف عنصراً دولياً إلى استحقاق أصبح يحظى بمتابعة تتجاوز حدود المنافسة الحزبية الداخلية.
وبالنسبة إلى ISPI، لن تنتهي أهمية الملف بإعلان نتائج الانتخابات.
فالتحليل يعتبر أن تاريخ 31 أكتوبر سيظل محطة يجب متابعتها بالنظر إلى التطورات الأممية والدبلوماسية المرتبطة بملف الصحراء.
غير أن ما سيحدث في تلك المرحلة لا يزال مرتبطاً بمفاوضات ومواقف دولية لم تُحسم بعد، ولذلك لا يمكن التعامل مع سيناريو الحكم الذاتي باعتباره نتيجة نهائية مقررة سلفاً.
كما أن قراءة ISPI نفسها تبقى تحليلاً سياسياً للباحثة وليست موقفاً صادراً عن الأمم المتحدة أو قراراً ملزماً للأطراف.
لكن أهمية التحليل تكمن في أنه يلتقط تحولاً داخلياً يمكن قياسه سياسياً: ملف ظل لعقود يقدم أساساً باعتباره قضية دبلوماسية ووحدة ترابية أصبح يدخل أيضاً إلى قلب المنافسة على الحكامة والتمثيل والقدرة على إدارة التنمية في الجنوب.
وقد لا تكون 21 مقعداً رقماً حاسماً بمفرده داخل مجلس نواب يضم 395 عضواً.
لكن القيمة السياسية لهذه المقاعد، وفق المنطق الذي يبنيه تحليل ISPI، قد تصبح أكبر من وزنها العددي إذا تزامنت الولاية التشريعية المقبلة مع انتقال النقاش حول الصحراء إلى مرحلة ترتبط أكثر بتفاصيل الحكامة والتمثيل المؤسساتي.
ومن هنا تصبح نتيجة 23 شتنبر في العيون والداخلة وكلميم أكثر من مجرد مؤشر على الحزب المتصدر محلياً.
السؤال الذي يطرحه التحليل الإيطالي هو من سيمتلك الشرعية الانتخابية والتمثيل البرلماني عندما يصبح المطلوب من الأحزاب، إلى جانب الدفاع عن الموقف المغربي خارجياً، تقديم أجوبة داخلية حول التشغيل والاستثمار والخدمات والحكامة وتوزيع ثمار التنمية.
وبين تنافس الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، وحضور مراقبين دوليين في العيون والداخلة، يدخل جنوب المغرب اقتراع 23 شتنبر بوزن سياسي يجعل نتائج صناديقه قابلة للقراءة أبعد بكثير من مجرد عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب.
