بقلم: الباز عبدالإله
وضعت نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026 فاطمة الزهراء المنصوري أمام واحد من أكثر الأسئلة السياسية حساسية في المغرب اليوم: هل يعيّنها جلالة الملك محمد السادس رئيسة للحكومة، بعدما سبق أن ارتبط اسمها بجدل وتحقيقات صحافية أثارت أسئلة بشأن تضارب محتمل للمصالح في ملفات عقارية وتعميرية؟
السؤال أصبح مطروحاً بقوة بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية بـ97 مقعداً من أصل 395، وهي النتيجة التي تأكدت نهائياً مساء الجمعة 25 شتنبر دون تغيير مقارنة بالنتائج المؤقتة، ليصبح «البام» الحزب الأول في مجلس النواب.
الدستور واضح في نقطة ويترك نقطة أخرى مفتوحة. فالفصل 47 ينص على أن الملك «يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها».
لكنه لا يفرض أن يكون الشخص المعين هو الأمين العام أو المنسق الأول للحزب المتصدر، ما يعني أن فوز «البام» لا يجعل المنصوري رئيسة للحكومة تلقائياً.
المنصوري نفسها فتحت الباب أمام هذا الاحتمال عندما سُئلت يوم 24 شتنبر عن إمكانية توليها رئاسة الحكومة، فأكدت أن التعيين يدخل ضمن الاختصاصات الملكية، وقالت إنه إذا اختارها جلالة الملك لتحمل المسؤولية فسيكون ذلك بالنسبة إليها «شرفاً كبيراً».
لكن انتقال اسم المنصوري من قيادة الحزب ووزارة إعداد التراب الوطني وعمودية مراكش إلى دائرة الأسماء المطروحة لرئاسة الحكومة يعيد سؤالاً آخر إلى الواجهة: ماذا عن شبهات تضارب المصالح التي أثيرت حولها سابقاً؟
الملف الأكثر حساسية يتعلق بأراضي «تسلطانت» بضواحي مراكش.
فقد نشر موقع «Le Desk» بين ماي ويونيو 2026 سلسلة تحقيقات صحافية حول معاملات عقارية مرتبطة بعائلة المنصوري، وطرحت هذه التحقيقات أسئلة بشأن تضارب محتمل للمصالح وعلاقة المصالح الخاصة بتدبير التعمير، في ظل الجمع بين مسؤوليات سياسية وإدارية واختصاصات مرتبطة بهذا القطاع.
وما نشره الموقع يظل تحقيقات صحافية وقراءات للوثائق والمعطيات المتاحة، وليس حكماً قضائياً يثبت ارتكاب المنصوري مخالفة.
إحدى حلقات التحقيق ركزت على مشروع التصميم المديري للتهيئة العمرانية لمراكش الكبرى، وقالت إن منطقة بتسلطانت، حيث توجد أراض مملوكة لعائلة المنصوري، كانت مصنفة ضمن منطقة زراعية محمية في مشروع للوثيقة التعميرية لم ير النور رسمياً.
وربط «Le Desk» بين مصير المشروع والمصالح العقارية للعائلة، وهي قراءة وتحقيق صحافي للموقع تبقى منفصلة عن أي إثبات قضائي.
المنصوري قدمت رواية مغايرة تماماً. فعندما تفجر الملف سنة 2025 على خلفية وثائق مسربة، نفت وجود تضارب للمصالح، وقالت إن الأراضي موضوع الجدل تعود إلى إرث عائلي وإنها ملكية خاصة حصل عليها والدها منذ سنة 1978، كما أكدت أن عمليات البيع صُرّح بها لدى إدارة الضرائب وأن الإجراءات تمت بصورة قانونية.
وأعلنت عائلتها اللجوء إلى القضاء ضد مروجي ما وصفته بمعطيات مزيفة ومضللة.
وأشار «Médias24» حينها إلى أن موثوقية الوثائق المسربة التي فجرت القضية لم تكن قد تأكدت رسمياً.
المفارقة السياسية أن المنصوري نفسها وضعت ملف النزاهة وتضارب المصالح في قلب خطابها خلال الحملة الانتخابية. ففي لقاء بمراكش يوم 9 شتنبر، قالت دفاعاً عن حصيلة حزبها: «حصيلتنا ما مشبوهـاش، ما فيهاش شبهات، وما فيهاش تضارب المصالح»، مؤكدة أن الحزب لم يمنح، حسب موقفها، امتيازات لأعضائه وقياداته.
هنا يصبح النقاش أكبر من مجرد اسم سيجلس على كرسي رئاسة الحكومة.
إذا وقع الاختيار الملكي على فاطمة الزهراء المنصوري، فستصبح أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، في سابقة سياسية غير مسبوقة، لكن انتقالها إلى هذا الموقع سيضع أيضاً مجمل مسارها السياسي والإداري والملفات التي أثير حولها الجدل تحت مستوى أعلى من التدقيق العمومي والإعلامي.
أما إذا وقع الاختيار على شخصية أخرى من حزب الأصالة والمعاصرة، فسيبقى ذلك مندرجاً ضمن مقتضيات الفصل 47، الذي يحدد الحزب الذي يجب أن يأتي منه رئيس الحكومة دون أن يسمي شخصاً بعينه.
حتى مساء الجمعة 25 شتنبر 2026، لا يوجد إعلان رسمي عن اسم رئيس الحكومة المقبل، ولا يمكن بالتالي الجزم بأن جلالة الملك سيعين المنصوري أو شخصية أخرى من الحزب المتصدر.
الثابت اليوم أن «البام» حسم الصدارة نهائياً بـ97 مقعداً، وأن المنصوري لم تغلق باب رئاسة الحكومة، وأن اسمها سبق أن ورد في تحقيقات صحافية واتهامات بشأن تضارب محتمل للمصالح قابلتها هي بالنفي والدفاع عن قانونية المعاملات موضوع الجدل.
لهذا فإن السؤال السياسي الذي يفرض نفسه بعد حسم الصناديق لم يعد فقط: من سيقود الحكومة المقبلة؟
بل أيضاً: هل يعيّن جلالة الملك فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة رغم شبهات تضارب المصالح التي أثيرت حولها، أم يقع الاختيار على اسم آخر من الحزب الذي تصدر الانتخابات؟
القرار لم يصدر بعد، أما شبهات تضارب المصالح فتبقى، إلى حدود ما هو منشور وموثق، اتهامات وتحقيقات صحافية نفتها المنصوري ودافعت في مواجهتها عن قانونية تصرفاتها، دون أن يظهر في المصادر التي راجعناها حكم قضائي نهائي يثبت تلك الاتهامات في حقها.
