أعاد أحمد الريسوني، الرئيس السابق لحركة التوحيد والإصلاح والرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، قصة انتخابية من ثمانينيات القرن الماضي إلى واجهة النقاش بعد تشريعيات 23 شتنبر 2026، مستحضراً حكاية شاب جامعي عاطل وصل، وفق روايته، إلى البرلمان بعدما قرر أصدقاؤه وأقاربه وأبناء حيه دعمه لمساعدته على الخروج من البطالة، قبل أن يربط تلك القصة بما يعتبره تصويتاً تحكمه أحياناً القرابة والمجاملة، وبسؤال أكبر حول ملايين المغاربة الذين لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع.
وجاءت قراءة الريسوني في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك تحت عنوان «وهذا العزوف الكبير.. عقاب لمن؟»، نقل فيها النقاش من السؤال المعتاد بعد الانتخابات: «لمن صوّت المغاربة؟»، إلى سؤال آخر يتعلق بمن اختاروا أصلاً عدم التصويت.
الريسوني اعتبر أن الحديث المتكرر بعد الاستحقاقات عن «التصويت العقابي» لا يكفي وحده لتفسير ما وقع، واقترح مفهوماً آخر سماه «عدم التصويت العقابي»، متسائلاً عما إذا كان الامتناع الواسع عن المشاركة يحمل بدوره رسالة إلى الأحزاب والمنتخبين والمترشحين، أو يعكس موقفاً أوسع من العملية الانتخابية.
وتأتي هذه الأسئلة في ظل أرقام مشاركة لافتة. فقد بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة، المحصورة بتاريخ 10 يوليوز 2026، ما مجموعه 15,801,162 ناخباً وناخبة، فيما أعلن وزير الداخلية عقب اقتراع 23 شتنبر أن نسبة المشاركة بلغت 38.08 في المائة، بما يقارب ستة ملايين مصوت.
وبالمقارنة، أعلن وزير الداخلية أن نسبة المشاركة في انتخابات 2021 بلغت 50.86 في المائة، مقابل 42.27 في المائة سنة 2016، مع الإشارة إلى أن اقتراع 2021 جرى بالتزامن مع الانتخابات الجماعية والجهوية، وهو اختلاف يجعل المقارنة المباشرة بين الاستحقاقين تحتاج إلى بعض الحذر المنهجي.
الريسوني توقف عند هذه الصورة ليقول إن المسألة، من وجهة نظره، لا تتعلق فقط بناخب يعاقب حزباً بالتصويت لمنافسه، وإنما أيضاً بمن يقرر ألا يمنح صوته لأي طرف.
وكتب أن ما يعتبره أكثر خطورة من «التصويت العقابي» هو «عدم التصويت العقابي»، قبل أن يتساءل عما إذا كان العزوف عقاباً لـ«مجمل الأحزاب، ومجمل المنتخبين، ومجمل المترشحين»، أم أنه تعبير عن نظرة أوسع إلى العملية الانتخابية برمتها.
وذهب الريسوني أبعد من أرقام المشاركين يوم الاقتراع، وربط النقاش أيضاً بالفارق بين عدد المغاربة الذين يعتبرهم مؤهلين للتصويت وعدد المسجلين فعلياً في اللوائح، مستنداً إلى تقدير وضع عدد المؤهلين في حدود 27 مليون شخص، مقابل أقل من 16 مليوناً مسجلين.
غير أن الرقم المثبت في المعطيات الرسمية الخاصة بالهيئة الناخبة هو 15,801,162 مسجلاً، بينما يظل رقم 27 مليوناً وارداً في تدوينة الريسوني ضمن حجته بشأن مجموع البالغين المؤهلين للتصويت، وليس ضمن الأرقام الرسمية المنشورة الخاصة بالمسجلين في اللوائح الانتخابية.
ولم يتوقف الريسوني عند غير المشاركين، بل انتقل إلى الذين شاركوا في الاقتراع، معتبراً، بحسب قراءته، أن جزءاً من الاختيارات الانتخابية قد تحكمه اعتبارات المنفعة الشخصية أو القرابة أو الصداقة أو الزمالة أو الجوار، بدل البرامج والكفاءة.
ومن هنا استعاد قصة القصر الكبير خلال إحدى انتخابات الثمانينيات. وحسب روايته، نجح شاب جامعي عاطل في الوصول إلى البرلمان بعدما تعاطف معه أصدقاؤه وزملاؤه وأقاربه وأبناء حيه، فقرروا مساندته باعتباره شاباً مجازاً بقي دون عمل.
الريسوني قال إن الدعم، وفق القصة التي أوردها، لم يكن مبنياً على برنامج انتخابي أو وعود سياسية بقدر ما كان مدفوعاً بالرغبة في مساعدة الشاب على الخروج من البطالة، مقدماً المثال لتوضيح نظرته إلى ما يسميه تصويت المجاملة والقرابة.
وقلب مفهوم «العقاب الانتخابي» كان أبرز ما حملته التدوينة. فبدلاً من البحث فقط عن الحزب الذي حصل على أصوات الغاضبين، وضع الريسوني في قلب النقاش الفئة التي لم تدخل أصلاً في عملية توزيع الأصوات.
وصاغ ذلك في مجموعة من الأسئلة: «هل كل ذلك تصويت عقابي؟ أو هو معاملة بالمثل للسياسة والسياسيين؟ أم هو لاتصويت عقابي؟»، ثم تساءل عما إذا كان الأمر عقاباً للأحزاب والمنتخبين والمترشحين، أم تعبيراً عما وصفه بـ«عدم الجدوى وفقدان المعنى».
الأرقام الانتخابية لا تكشف وحدها دوافع الممتنعين عن التصويت، ولا تسمح باعتبار ملايين الغائبين عن الصناديق كتلة سياسية واحدة أو إسناد موقف موحد إليهم. لكنها تضع حقيقة رقمية واضحة أمام النقاش: 38.08 في المائة من المسجلين شاركوا في اقتراع 23 شتنبر، بينما لم يشارك 61.92 في المائة منهم.
داخل هذه المساحة بالضبط وضع الريسوني سؤاله: هل يتعلق الأمر بعزوف انتخابي بأسباب متعددة، أم أن جزءاً منه يمكن قراءته، كما يقترح، باعتباره امتناعاً عقابياً عن التصويت؟
«وهذا العزوف الكبير.. عقاب لمن؟»
