قبل ساعات من الانتخابات، فتحت الأستاذة الجامعية والناشطة الحقوقية لطيفة البوحسيني واحداً من أكثر الملفات السياسية حساسية، بعدما اختارت لتدوينتها عنواناً مباشراً: «الترشيح بدل التحقيق»، متسائلة عن انتقال مسؤولين حكوميين مجدداً إلى سباق الانتخابات، في الوقت الذي قالت إن أسماء بعضهم ارتبطت خلال الولاية المنتهية بشبهات وملفات كان يفترض، بحسب موقفها، أن تكون موضوع تدقيق وتحقيق وكشف للحقيقة.
وقالت البوحسيني إن الواجب السياسي كان يقتضي من مكونات الأغلبية الحكومية، بعد خمس سنوات من التدبير، تقديم الحساب والحصيلة وتفسير ما وصفته بـ«الكوارث والتراجعات الخطيرة» التي وقعت خلال ولايتها، معتبرة أن ما حدث عوض ذلك هو اتجاه عدد من أعضائها إلى الانتخابات دون حسم الجدل المرتبط بعدد من الملفات التي أثيرت خلال السنوات الماضية.
وذهبت البوحسيني أبعد من مجرد انتقاد الحصيلة الحكومية، معتبرة أن النقاش لم يعد، في بعض الحالات التي أوردتها، سياسياً وانتخابياً فقط، بل أصبح يمس أسئلة مرتبطة بالتدقيق المالي والتحقيق القضائي.
وكتبت في هذا السياق أن أعضاء الأغلبية، بدل تقديم حصيلتهم، دخلوا في «التراشق والملاسنات وتوجيه التهم الثقيلة لبعضهم»، مستحضرة، بحسب ما أوردته في تدوينتها، اتهامات بشأن تبديد 280 مليار درهم من المال العام، إلى جانب ما سمته ملف «الفرماج الفاسد» وما أثير بشأن انعكاساته المحتملة على صحة المواطنين.
وشددت صاحبة التدوينة على أن هذه المعطيات، وفق قراءتها، ليست سوى ما خرج إلى العلن خلال تصفية الحسابات بين أطراف تنتمي إلى الأغلبية نفسها، معتبرة أن المسؤولية السياسية عن حصيلة السنوات الخمس تظل جماعية ولا يمكن اختزالها في طرف واحد.
ثم انتقلت البوحسيني إلى ذكر أسماء وزراء ومسؤولين حكوميين بشكل مباشر، موردة ملفات قالت إنها أثارت، خلال الولاية الحكومية، أسئلة وشبهات تستحق الكشف والتدقيق.
ووضعت في مقدمة الأسماء رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وربطت اسمه بما أثير عن تضارب المصالح في قطاع المحروقات وتحلية مياه البحر، كما ذكرت وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة فاطمة الزهراء المنصوري وربطتها بملف أراضي تاسلطانت.
كما أدرجت وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد، متحدثة عن مشروع شركة Neo Motors وما أثير حول حقيقة التصنيع المحلي للسيارات، قبل أن تتوقف عند وزير التجهيز والماء نزار بركة، مستحضرة مزاعم تداولتها مصادر إعلامية بشأن اقتناء فيلا بالرباط بمبلغ يصل إلى مليار سنتيم وطريقة أداء ثمنها.
وهذه المعطيات وردت في تدوينة البوحسيني في صيغة اتهامات وشبهات ومزاعم تطالب بالتحقيق فيها، ولا تعني في حد ذاتها ثبوت أي مخالفة أو مسؤولية جنائية في حق الأشخاص المذكورين، ما لم تثبتها المؤسسات القضائية المختصة.
لكن مركز تدوينة البوحسيني لم يكن تعداد الملفات بقدر ما كان السؤال الذي وضعته بشأن الترشح للانتخابات في ظل استمرار هذه الشبهات دون حسم معلن.
وقالت إن مثل هذه الملفات، في تقديرها، «تنقلنا من الحقل السياسي والانتخابي إلى مجال التدقيق المالي والتحقيق الجنائي»، منتقدة ما وصفته بصمت المؤسسات المختصة، قبل أن تعتبر أن الأخطر هو اتجاه وزراء وردت أسماؤهم في هذه الملفات إلى الترشح مجدداً للانتخابات.
وحددت البوحسيني ثلاثة مستويات قالت إنها كانت تنتظر التعامل من خلالها مع الموضوع.
فعلى المستوى السياسي، دعت إلى قرار حزبي يمنع كل من تحوم حوله شبهات من الترشح إلى حين ظهور الحقيقة، وعلى المستوى الأخلاقي دعت المعنيين أنفسهم إلى عدم تقديم أسمائهم لتحمل مسؤوليات عمومية جديدة قبل حسم الملفات المثارة بشأنهم، أما على المستوى الجنائي فطالبت بتدخل النيابة العامة وفتح تحقيق «نزيه وموضوعي» يكشف الحقيقة ويحمي في الوقت نفسه حق الجميع من أي اتهام غير مثبت.
وكتبت البوحسيني أن السماح بالترشح في مثل هذه الظروف يمثل، من وجهة نظرها، «استهتاراً بالمسؤولية العمومية»، وربطت استمرار الغموض بشأن هذه الملفات بتفاقم أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
وختمت تدوينتها برسالة شديدة اللهجة إلى المسؤولين، محذرة من أن تدبير الملفات بهذه الطريقة، وفق تصورها، لا يقتصر أثره على الانتخابات، وإنما يمس الثقة في المؤسسات والاستقرار السياسي للبلاد.
وبذلك تعيد تدوينة «الترشيح بدل التحقيق» إلى الواجهة سؤال المحاسبة السياسية والمؤسساتية: كيف ينبغي التعامل مع مسؤولين تثار حولهم اتهامات أو شبهات قبل العودة إلى طلب ثقة الناخبين؟ وأين تنتهي المسؤولية السياسية وتبدأ مسؤولية المؤسسات المختصة في التدقيق والتحقيق؟
وهو سؤال تضعه البوحسيني على الطاولة عشية الاقتراع، بينما تبقى الحقيقة القانونية مرتبطة بما إذا كانت الملفات التي عددتها ستنتقل فعلاً من فضاء الاتهامات والتدوينات والسجال السياسي إلى مسار رسمي للتدقيق والتحقيق، وما ستخلص إليه المؤسسات المختصة في حال فتح أي مسطرة بشأنها.
