اختصر محمد لغروس، مدير نشر جريدة «العمق المغربي»، جانباً من قراءته لمرحلة ما بعد انتخابات 23 شتنبر بعبارة لافتة: «هذا وقت الغنائم»، وذلك خلال الاستوديو التحليلي لنتائج انتخابات 2026 ضمن برنامج «الطريق إلى برلمان 2026»، بعدما اعتبر أن التراشق والخصومات التي طبعت الحملة الانتخابية لا تمنع الأحزاب نفسها من العودة إلى طاولة التحالفات بمجرد ظهور النتائج.
لغروس انطلق من فكرة مفادها أن انتهاء الولاية الحكومية يعني عملياً انتهاء ميثاق الأغلبية، وأن كل حزب يعود خلال الحملة إلى مرجعيته ومشروعه وحدوده السياسية، فيحدد حلفاءه وخصومه و«خطوطه الحمراء»، ويحاول الحصول على أكبر عدد ممكن من المقاعد حتى يدخل مفاوضات ما بعد الاقتراع من موقع أقوى.
هذه القراءة تجعل للحملة زمناً ولما بعد النتائج زمناً آخر، الأحزاب تتواجه أمام الناخب، ترسم حدود التحالف وتقدم خصوماً سياسيين، ثم تنتهي الانتخابات، وتبدأ مرحلة جديدة تحكمها، وفق لغروس، موازين القوى ومنطق «الأخذ والعطاء»، بعدما تكون «الحرب قد وضعت أوزارها».
السؤال الذي يصنعه هذا المنطق موجود داخله نفسه: إذا كانت «الخطوط الحمراء» جزءاً من الخطاب الذي يقدم للناخب قبل التصويت، فما القيمة السياسية التي تحتفظ بها إذا أصبحت قابلة لإعادة الرسم مباشرة بعد ظهور النتائج؟
الأرقام تجعل النقاش أكثر وضوحاً.
النتائج النهائية منحت حزب الأصالة والمعاصرة 97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار 66، والاستقلال 65، والعدالة والتنمية 54، والحركة الشعبية 29، داخل مجلس للنواب يتكون من 395 عضواً.
حزب الأصالة والمعاصرة يتصدر إذن بـ97 مقعداً، لكن هذا الرقم يضعه على بعد 101 مقعد من عتبة 198 اللازمة للأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب.
هنا انتقل لغروس من تفسير طبيعة التحالفات إلى تقديم سيناريوهاتها الحسابية.
الصيغة الأولى تجمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، أي:
97 + 66 + 65 = 228 مقعداً.
وهي تتجاوز عتبة 198 بثلاثين مقعداً.
الصيغة الثانية تجمع الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية والاستقلال، أي:
97 + 54 + 65 = 216 مقعداً.
وهي بدورها تتجاوز العتبة بـ18 مقعداً.
لغروس تحدث بعد ذلك عن إمكانية استبدال العدالة والتنمية بالحركة الشعبية داخل تركيبة تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال.
وهنا يعطي الحساب نتيجة مختلفة:
97 + 65 + 29 = 191 مقعداً.
هذه التركيبة، بالأحزاب الثلاثة المذكورة وحدها، لا تصل إلى الأغلبية المطلقة، بل تتوقف على بعد سبعة مقاعد من عتبة 198.
الملاحظة هنا حسابية وليست خلافاً في التقدير السياسي. تعدد خيارات الحزب المتصدر يمكن أن يظل قائماً بإضافة طرف آخر أو بتغيير التركيبة، لكن الصيغة الثلاثية التي تضم البام والاستقلال والحركة الشعبية لا تشكل وحدها أغلبية من 198 مقعداً.
النقاش الأعمق يعود بعد ذلك إلى أصل كلام لغروس، لأن المشكلة بالنسبة إليه ليست في تغير التحالفات في حد ذاته. مدير نشر «العمق المغربي» اعتبر أن السياسة تعرف تبدلاً في المواقع بتبدل السياقات، واستحضر تجارب تغيرت خلالها علاقات العدالة والتنمية مع الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والأصالة والمعاصرة، مستنداً إلى فكرة أن «السياق يحكم النص».
لغروس أقر في الوقت نفسه بأن الإشكال يصبح أكثر تعقيداً عندما تبني الأحزاب خصومة سياسية حادة مع حزب معين إلى درجة يصبح معها الانتقال لاحقاً إلى التحالف معه صعب التفسير، مستحضراً العلاقة الطويلة والمتوترة بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة.
هذه النقطة تعيد «الخطوط الحمراء» إلى قلب الموضوع الحزب يستطيع سياسياً مراجعة تحالفاته بعد ظهور النتائج، لكن الخطاب الذي قدمه خلال الحملة يظل جزءاً من علاقته بالناخب، خصوصاً عندما لا يتعلق الأمر بخلاف ظرفي، وإنما بمواقف قُدمت باعتبارها محددات سياسية للتحالف أو لرفضه.
الإطار الدستوري يضع بدوره حدوداً واضحة للقراءة السياسية، الفصل 47 ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.
أما الفصل 88 فيجعل الحكومة، بعد تعيينها وعرض برنامجها، مطالبة بالحصول على ثقة مجلس النواب المعبر عنها بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، وهو ما يفسر أهمية عتبة 198 مقعداً في الحساب البرلماني.
تصدر الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً يمنحه الموقع الأول في نتائج الاقتراع، لكنه لا يوفر له بمفرده أغلبية برلمانية، ويجعل التحالفات ضرورة حسابية إذا أريد الوصول إلى عتبة الثقة.
هنا تأخذ عبارة لغروس «هذا وقت الغنائم» معناها الأكثر إثارة للنقاش، الرجل يقدم مرحلة ما بعد الانتخابات باعتبارها لحظة مختلفة عن الحملة، تنتقل فيها الأحزاب من الخصومة والخطوط الحمراء إلى حسابات المواقع والتحالفات.
المفارقة أن الصندوق لا يمحو تلقائياً ما قيل قبله،الخطوط الحمراء قد تتغير سياسياً، والتحالفات قد يعاد تركيبها، لكن كل انتقال من خصم معلن إلى شريك حكومي يظل محتاجاً إلى تفسير سياسي أمام الناخب، خصوصاً عندما تكون تلك الخصومة قد شكلت جزءاً من الخطاب الذي طلبت الأحزاب على أساسه أصوات المواطنين.
وحتى بالأرقام، لا تكفي لغة «الغنائم» لصناعة أغلبية: الصيغة التي ذكرها لغروس تتوقف عند 191 مقعداً، بينما باب الأغلبية يبدأ من 198. سبعة مقاعد تفصل بين السيناريو والحساب.
