بقلم: الباز عبدالإله
كشفت دراسة علمية جديدة، منشورة اليوم الاثنين 28 شتنبر 2026، عن إمكانات جيولوجية وسياحية لافتة على طول المسار الممتد بين أكادير وورزازات، واضعة هذه الثروة الطبيعية أمام مفارقة واضحة: مجال غني بتراث جيولوجي استثنائي، لكنه يوجد، وفق توصيف الباحثين أنفسهم، داخل بيئة تتقاطع فيها هذه الموارد مع أنظمة اجتماعية واقتصادية هشة.
الدراسة، المنشورة في مجلة «Earth» العلمية التابعة لـMDPI، تمتد على 39 صفحة وتحمل عنوان «التنوع الجيولوجي والسياحة الجيولوجية والحفاظ على التراث الجيولوجي على طول مسار أكادير–ورزازات بالأطلس الصغير: من الجيودينامية إلى السينوغرافيا»، وأعدها الباحثون محمد آيت حدو، وبلقاسم القبّاشي، ويوسف بوشريتي، ومحمد بن القايد، وإسماعيل خردالي.
ولا يتعلق «مسار أكادير–ورزازات» في الدراسة بمشروع طريق أو بنية تحتية جديدة، بل بمقطع ترابي وجيولوجي اعتمده الباحثون لدراسة ما يكشفه الانتقال بين المجالين من تنوع في التكوينات والمناظر والتاريخ الجيولوجي، ومدى إمكانية تحويل هذا الرصيد الطبيعي إلى مورد للتنمية المحلية والسياحة المستدامة.
تنطلق الورقة من اعتبار الأطلس الصغير واحداً من المجالات المغربية التي تتميز بدرجة مرتفعة من التنوع الجيولوجي، حيث تختزن تضاريسه وتكويناته سجلاً طويلاً من التحولات الجيودينامية التي صنعت المشهد الطبيعي الحالي.
غير أن القيمة العلمية لهذه المواقع لا تشكل، في نظر الباحثين، سوى جزء من الصورة، إذ تطرح الدراسة سؤالاً أوسع يتعلق بكيفية تحويل هذا التراث إلى قيمة اقتصادية وتعليمية وسياحية من دون الإضرار به.
والمثير في الدراسة أن خطابها لا يقدم الثروة الجيولوجية باعتبارها مجرد مادة للبحث الأكاديمي، بل يربطها مباشرة بما تسميه «التثمين الترابي المستدام»، أي الانتقال من التعرف على الصخور والتكوينات والمناظر إلى إدماجها في مسارات للزيارة والتفسير والتعليم والسياحة الجيولوجية، بما يسمح بإنتاج قيمة محلية حول مورد طبيعي قائم أصلاً داخل المجال.
هذا الطرح يكتسب أهمية خاصة لأن الدراسة تضع منذ مقدمتها التراث الجيولوجي للأطلس الصغير إلى جانب «هشاشة الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية» التي تحيط به، وهو توصيف يجعل القضية تتجاوز الاهتمام العلمي بالصخور والتضاريس إلى سؤال تنموي يتعلق بما إذا كان بالإمكان تحويل ما يوجد تحت أقدام السكان وحول قراهم ومدنهم إلى نشاط اقتصادي مستدام يمكن أن يفتح فرصاً إضافية، ويحافظ في الوقت نفسه على المورد الطبيعي.
ويعتمد مفهوم «السياحة الجيولوجية» الذي تشتغل عليه الدراسة على تقديم المواقع والتكوينات والمناظر للزوار بطريقة تشرح تاريخ تشكل الأرض والجبال والصخور والتحولات التي مرت منها المنطقة، بدلاً من الاكتفاء بالسياحة التقليدية القائمة على المنظر وحده.
وهنا يظهر البعد الذي يشير إليه عنوان البحث بعبارة «من الجيودينامية إلى السينوغرافيا»، أي الانتقال من المعرفة العلمية الدقيقة للموقع إلى طريقة عرضه وشرحه وجعله مفهوماً وجذاباً لغير المتخصصين.
وتتقاطع هذه المقاربة مع توجه بحثي أوسع عرفه المغرب خلال السنوات الأخيرة حول التراث الجيولوجي، إذ أظهرت دراسات سابقة بمناطق مختلفة أن المواقع الجيولوجية لا تحمل قيمة علمية فقط، بل يمكن أن تُستعمل كذلك في التعليم والزيارات المنظمة والمسارات السياحية، مع إمكانية ربطها بالمنتجات المحلية والثقافة والتراث المعماري والأنشطة الاقتصادية الموجودة أصلاً في المناطق الجبلية والقروية.
لكن الدراسة الجديدة تمنح مسار أكادير–ورزازات خصوصية إضافية، لأنه يربط مجالين مختلفين سياحياً وترابياً عبر فضاء واسع من الأطلس الصغير، ما يسمح بالنظر إلى المسافة بينهما ليس فقط باعتبارها مجالاً للعبور، بل فضاء يمكن بناء عرض سياحي وعلمي متكامل حوله.
القيمة الأساسية التي تضعها الدراسة على الطاولة لا تتعلق، إذن، باكتشاف معدن جديد أو مورد قابل للاستخراج، وإنما بإعادة تعريف مورد ظل موجوداً منذ ملايين السنين دون أن تتحول قيمته العلمية بالضرورة إلى قيمة اقتصادية وترابية مماثلة.
وتقدم الورقة مسار أكادير–ورزازات كحالة يمكن من خلالها اختبار نموذج يقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: التعرف العلمي على التنوع الجيولوجي، وحماية المواقع من التدهور، ثم تحويل المعرفة المتراكمة حولها إلى محتوى سياحي وتعليمي قابل للتقديم للزوار والسكان والمؤسسات.
هذه المعادلة تطرح بدورها تحدياً دقيقاً، لأن رفع جاذبية المواقع الطبيعية قد يجلب زيارات واستثمارات وفرصاً اقتصادية، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مصدر ضغط عليها إذا لم ترافق عملية التثمين قواعد للحماية والتدبير.
ولهذا تضع الدراسة «الحفاظ على التراث الجيولوجي» في صلب النموذج، وليس كمرحلة تأتي بعد تطوير النشاط السياحي.
ويعكس تخصيص دراسة من 39 صفحة لهذا المسار حجم المادة العلمية التي وجدها الباحثون في المجال الممتد بين أكادير وورزازات، لكنه يعيد في الوقت نفسه السؤال إلى الأرض: كيف يمكن أن تتحول هذه الثروة الصامتة إلى قيمة يشعر بها السكان داخل المجالات التي تصفها الدراسة نفسها بالهشة اجتماعياً واقتصادياً؟
الدراسة لا تقدم برنامجاً حكومياً، ولا تعد بعدد محدد من الوظائف أو المداخيل، ولذلك لا يمكن تحويل خلاصاتها إلى أرقام اقتصادية جاهزة، لكنها تقدم أساساً علمياً ينظر إلى التراث الجيولوجي باعتباره مورداً ترابياً قابلاً للتثمين والحماية، وليس مجرد مشهد طبيعي يمر أمام المسافر بين أكادير وورزازات.
وبين الثروة التي تصفها الورقة والهشاشة التي تسجلها، يبرز التحدي الحقيقي الذي يطرحه البحث: امتلاك المورد شيء، وتحويله إلى تنمية محلية مستدامة شيء آخر.
