بقلم: الباز عبدالإله
لم تكن عبارة «مصالحة المواطن مع الشأن السياسي» التي أعاد حزب الاستقلال وضعها على الطاولة بعد انتخابات 23 شتنبر 2026 مفهوماً جديداً في قاموس الحزب، ولا تشخيصاً ظهر فقط بعد اقتراع لم تتجاوز فيه نسبة المشاركة، وفق بلاغ وزارة الداخلية عند إغلاق مكاتب التصويت، 38.02 في المائة. فالعودة إلى وثائق الاستقلال نفسه تكشف أن «المصالحة» حضرت في خطابه عندما كان في المعارضة، ثم قال لاحقاً إنه ساهم في إنضاجها، قبل أن يعود اليوم، بعد ولاية كاملة من المشاركة الحكومية، إلى الدعوة لفتح الورش من جديد.
اللجنة التنفيذية للحزب، المجتمعة في 28 شتنبر برئاسة الأمين العام نزار بركة، اعتبرت أن العزوف الانتخابي وعدم تسجيل شريحة من المواطنين في اللوائح الانتخابية يعكسان، وفق قراءتها، أزمة ثقة في المؤسسات المنتخبة والعمل السياسي، ودعت إلى فتح ورش لـ«مصالحة المواطن مع الشأن السياسي» عبر حوار وطني تشارك فيه القوى السياسية والمجتمع المدني.
هذا التشخيص يأتي بعد انتخابات انتهت رسمياً بحصول حزب الاستقلال على 65 مقعداً، محتلاً المرتبة الثالثة خلف حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً والتجمع الوطني للأحرار بـ66. وأكدت وزارة الداخلية أن النتائج النهائية طابقت النتائج العامة المؤقتة المعلن عنها بعد الاقتراع.
غير أن الرجوع سبع سنوات إلى الوراء يفتح سؤالاً مختلفاً حول هذا الخطاب. ففي عرض سياسي لنزار بركة منشور على الموقع الرسمي للحزب سنة 2019، عندما كان الاستقلال في المعارضة، دعا الأمين العام إلى تعاقد سياسي جديد يكون كفيلاً بـ«مصالحة المواطن مع الشأن السياسي، ومع الأحزاب السياسية».
بمعنى أن «المصالحة» التي يعود الحزب إلى طرحها سنة 2026 لم تولد من نتائج اقتراع 23 شتنبر، بل كانت أصلاً واحداً من مطالب الاستقلال السياسية قبل وصوله إلى الحكومة.
والأكثر دلالة يوجد في وثيقة رسمية أخرى للحزب صدرت قبل انتخابات 2021 بأشهر قليلة. ففي بيان مجلسه الوطني بتاريخ 5 يونيو من تلك السنة، طالب الاستقلال الحكومة ومكوناتها بتقديم حصيلة عملها إلى الرأي العام انسجاماً مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وانتقد ما وصفه بلجوء مكونات حكومية إلى «تقمص دور المعارضة» و«التملص من مسؤولياتها السياسية والأخلاقية».
ووضع الحزب يومها معياراً سياسياً واضحاً عندما اعتبر أنه «لا معنى للبرامج الانتخابية للأحزاب المكونة للحكومة بدون تقديم حصيلة تدبيرها للحكومة أولا».
بعد أشهر قليلة، تغير موقع الاستقلال نفسه. حصل الحزب على 81 مقعداً في انتخابات 8 شتنبر 2021، ثم قرر مجلسه الوطني المشاركة في الحكومة، وأصبح أمينه العام نزار بركة وزيراً للتجهيز والماء، وهو المنصب الذي ظل يتولاه خلال الولاية الحكومية.
وهنا يصبح المعيار الذي وضعه الحزب في يونيو 2021 قابلاً للطرح عليه نفسه: إذا كان الاستقلال يعتبر اليوم أن ضعف المشاركة وأزمة الثقة يفرضان مصالحة المواطن مع السياسة، فما حصيلة مساهمته، خلال وجوده في الحكومة، في معالجة أزمة كان قد شخصها أصلاً عندما كان في المعارضة؟
السؤال يزداد ثقلاً عند العودة إلى خطاب نزار بركة أمام المؤتمر العام الثامن عشر للحزب في أبريل 2024. فالأمين العام لم يكتف يومها بالحديث عن الحاجة إلى المصالحة، بل قال إن حزب الاستقلال كان «في قلب هذا التحول السياسي»، متحدثاً عن مساهمته في «إنضاج مصالحة المواطنين مع الشأن السياسي»، واستعادة المصداقية للفعل السياسي والثقة في جدوى المشاركة الشعبية.
لكن الوثيقة نفسها لم تقدم الصورة وكأن أزمة الثقة انتهت نهائياً؛ إذ واصل بركة الحديث عن ضرورة إعادة الأمل والثقة في الفعل السياسي وتقوية أدوار الوساطة والمشاركة. وهذا التفصيل مهم، لأن القول بالمساهمة في «إنضاج المصالحة» لا يعني بالضرورة أن أزمة الثقة أصبحت محسومة أو منتهية.
مع ذلك، يبقى التسلسل الزمني لافتاً: في 2019، دعا الاستقلال وهو في المعارضة إلى مصالحة المواطن مع السياسة والأحزاب؛ وفي 2021 شدد على أن الأحزاب الحكومية مطالبة بتقديم حصيلتها وألا «تتقمص دور المعارضة»؛ وفي 2024، وهو مشارك في الحكومة، قال إنه ساهم في «إنضاج مصالحة المواطنين مع الشأن السياسي»؛ ثم عاد بعد انتخابات شتنبر 2026 إلى تشخيص أزمة الثقة والدعوة إلى فتح ورش للمصالحة من جديد.
نتائج الصندوق تضيف بدورها معطى إلى النقاش. فالاستقلال، الذي حصل على 81 مقعداً في انتخابات 2021، أنهى انتخابات 2026 بـ65 مقعداً، أي أقل بـ16 مقعداً. ولا يسمح هذا الفارق، بمفرده، بالقول إن القاعدة الانتخابية للحزب تقلصت، لأن عدد المقاعد لا يعكس وحده عدد الأصوات ويتأثر بتوزيعها بين الدوائر وقواعد الاقتراع، لكنه يجعل تقييم حصيلة ولاية كاملة من المشاركة الحكومية سؤالاً مشروعاً بالتوازي مع حديث الحزب عن استمرار الثقة في عرضه السياسي.
الحزب نفسه وضع سنة 2021 قاعدة للمساءلة مفادها أن من شارك في الحكومة يقدم حصيلته قبل الانتقال إلى البرامج والوعود الجديدة. وبعد ولاية كاملة داخل الأغلبية، يعود هذا المعيار إليه أيضاً: ما الذي تحقق تحديداً من «مصالحة المواطنين مع الشأن السياسي» التي تحدث عنها قبل المشاركة الحكومية وأثناءها؟ وما الذي يفسر عودته اليوم إلى تشخيص أزمة الثقة والدعوة إلى فتح الورش نفسه؟
المجلس الوطني للحزب، المدعو للانعقاد يوم السبت 3 أكتوبر 2026، سيخصص لتقييم نتائج الانتخابات والتداول في مسألة مشاركة الاستقلال في الحكومة المقبلة، وفق ما أعلن عنه الحزب عقب اجتماع لجنته التنفيذية.
لذلك لا يقتصر النقاش على ما إذا كان الاستقلال سيشارك في الحكومة المقبلة أو سيختار موقعاً آخر، بل يمتد إلى حصيلة ولاية كاملة كان خلالها شريكاً في السلطة التنفيذية، وإلى المعيار الذي اختاره بنفسه عندما كان في المعارضة: تقديم الحساب عن فترة التدبير قبل الانتقال إلى خطاب ووعود مرحلة سياسية جديدة.
