بقلم: الباز عبدالإله
أفرزت انتخابات 23 شتنبر رقماً يثير سؤالاً سياسياً أكبر من حجمه الحسابي: 109 مقاعد يمكن جمعها إذا وُضعت حصص العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وتحالف اليسار وجبهة القوى الديمقراطية في خانة واحدة. لكن هل يمكن أن تتحول هذه المقاعد إلى قوة رقابية مشتركة، ولو في ملف واحد؟
تمنح النتائج النهائية المعلنة حزب العدالة والتنمية 54 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 26، والتقدم والاشتراكية 19، وتحالف اليسار ثمانية، وجبهة القوى الديمقراطية مقعدين.
والمجموع 109 من أصل 395 مقعداً في مجلس النواب.
غير أن جمع هذه الأرقام لا يعني أن أصحابها اختاروا الموقع السياسي نفسه، فضلاً عن اتفاقهم على العمل معاً.
حسم العدالة والتنمية موقعه، بعدما قرر مجلسه الوطني يوم أمس السبت 26 شتنبر، بإجماع أعضائه الحاضرين، الاصطفاف في المعارضة وعدم المشاركة في الحكومة المقبلة.
أما تحالف اليسار، فتفيد معطيات نقلتها مصادر من داخله بأنه يتجه إلى المعارضة والعمل بصورة مستقلة، مع استبعاد التحالف، في المرحلة الحالية، مع حزب التقدم والاشتراكية. على أن الموقف الرسمي النهائي من التحالفات البرلمانية يبقى رهيناً بما ستعلنه الهيئات التقريرية لمكونات التحالف.
في المقابل، لم يحسم الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية موقعهما النهائي في الخريطة المقبلة.
وقال إدريس لشكر إن حزبه سيقيّم نتائج الاقتراع داخل مؤسساته قبل تحديد اختياره.
وكان قد استبعد قبل الانتخابات التحالف مع العدالة والتنمية، ما يجعل إدراج مقاعد «الوردة» إلى جانب مقاعد «المصباح» افتراضاً حسابياً، لا اصطفافاً قائماً.
كما لا يكفي حصول جبهة القوى الديمقراطية على مقعدين لاعتبارهما تلقائياً جزءاً من معارضة منسقة.
تزداد المسافة بين الرقم والواقع حين ننظر إلى اليسار نفسه. فقد طُرحت بعد الاقتراع إمكانية تنسيق نيابي بين التقدم والاشتراكية، صاحب المقاعد التسعة عشر، وتحالف اليسار، صاحب المقاعد الثمانية.
لكن المعطيات الأحدث بشأن اتجاه التحالف إلى الاشتغال مستقلاً تُظهر أن قيام قطب من 27 نائباً لم يُحسم بعد.
فكيف يمكن الجزم بولادة «جبهة 109» قبل أن يتضح حتى شكل العلاقة البرلمانية بين هذه المكونات؟
مع ذلك، لا تشترط المراقبة البرلمانية تحالفاً دائماً قد تختلف الأحزاب في برامجها ومرجعياتها، ثم تلتقي على طلب تقصي الحقائق في واقعة محددة، أو على توقيع ملتمس رقابة.
عند هذه النقطة تظهر القيمة المحتملة للرقم 109، وتظهر حدوده أيضاً.
يشترط الفصل 105 من الدستور توقيع خُمس أعضاء مجلس النواب على الأقل لقبول ملتمس الرقابة.
وفي مجلس يضم 395 نائباً، تعني هذه العتبة 79 توقيعاً. لذلك تستطيع مجموعة افتراضية من 109 نواب، إذا اتفقت كلها، تقديم الملتمس وتجاوز عتبة التوقيع بثلاثين نائباً.
لكن تقديم ملتمس الرقابة لا يعني إسقاط الحكومة، فالموافقة عليه تستلزم الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس، أي 198 صوتاً.
وتحتاج مجموعة الـ109، في هذا السيناريو، إلى 89 صوتاً إضافياً لبلوغ تلك العتبة.
أما الفصل 67 فيتيح طلب تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق بتوقيع ثلث أعضاء مجلس النواب، أي 132 نائباً على الأقل.
وتفصل 23 توقيعاً بين هذا العدد وكتلة الـ109 المفترضة. لكنها فجوة لا تُردم بمجرد جمع المقاعد على الورق؛ بل تحتاج اتفاقاً على ملف محدد، ثم توقيعات من خارج الأحزاب الخمسة، مع استيفاء الشروط والإجراءات القانونية لتشكيل اللجنة.
هكذا تتحدد قيمة الرقم سياسياً، فإن اختار بعض هذه الأحزاب الحكومة، تقلصت دائرته المفترضة قبل أن تبدأ.
وإن استقرت كلها في المعارضة، فلن تصبح جبهة موحدة لمجرد جلوسها في الجهة نفسها من البرلمان.
كما يمكن لخمسة أحزاب، حتى إن تموقعت جميعها في صفوف المعارضة، أن تختلف سياسياً إلى الحد الذي يفقد معه الرقم 109 أي قيمة عملية.
وقد ترفض هذه الأحزاب التحالف فيما بينها، ثم تتلاقى أصواتها على مبادرة رقابية بعينها.
لذلك لا توجد اليوم «جبهة 109» معلنة، الموجود مجموع مقاعد يفتح احتمالاً، تحيط به قرارات حزبية لم تُحسم وخطوط حمراء سياسية معلنة.
والاختبار الأول للمعارضة لن يكون عدد المقاعد التي تجمعها على الورق، بل عدد التوقيعات التي تستطيع جمعها حين يُفتح أول ملف يستحق المحاسبة.
