بقلم: الباز عبدالإله
لم تمر سوى أيام قليلة على نهاية واحدة من أكثر الحملات الانتخابية توتراً داخل الأغلبية الحكومية السابقة، حتى أعادت الحسابات البرلمانية الأحزاب نفسها إلى احتمال الجلوس مجدداً حول طاولة واحدة، لكن هذه المرة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري بدل عزيز أخنوش.
بلاغ وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، الصادر الثلاثاء 29 شتنبر 2026، بشأن تعيين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، فتح رسمياً مرحلة البحث عن أغلبية جديدة داخل مجلس النواب.
المنصوري تصل إلى هذه المهمة بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعداً من أصل 395، وهو رقم يمنحه المرتبة الأولى لكنه يظل بعيداً عن عتبة الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً.
ومن هنا لم يعد سؤال التحالفات تفصيلاً سياسياً مؤجلاً، بل أصبح أول اختبار فعلي أمام رئيسة الحكومة المكلفة.
المفارقة تبدأ عند مقارنة هذه المهمة الجديدة بما قيل قبل الاقتراع.
خلال الحملة الانتخابية، دخل حزب الأصالة والمعاصرة المنافسة وسط خلافات علنية مع التجمع الوطني للأحرار. ووصل الأمر، وفق ما وثقته وكالة «رويترز» خلال تغطيتها للاقتراع، إلى استبعاد البام تجديد التحالف مع الأحرار، في سياق تبادل للوم بشأن عدد من أوجه القصور في السياسات الحكومية، من بينها عدم كبح ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
لكن الصندوق أعاد ترتيب الأوراق.
الأصالة والمعاصرة حصل على 97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار على 66 مقعداً، فيما حصل حزب الاستقلال على 65 مقعداً.
وبعملية حسابية بسيطة، فإن جمع مقاعد الأحزاب الثلاثة التي شكلت حكومة عزيز أخنوش يعطي 228 مقعداً، أي أغلبية تتجاوز العتبة المطلوبة بثلاثين مقعداً.
وهنا عاد السيناريو القديم إلى الواجهة، لكن بميزان قوة مختلف تماماً.
إذا اجتمع البام والأحرار والاستقلال مجدداً داخل حكومة واحدة، فلن يتعلق الأمر باستمرار الأغلبية السابقة كما كانت. الحزب الذي كان شريكاً في الحكومة أصبح القوة الأولى في مجلس النواب، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة خلال الولاية المنتهية، من 102 مقعد في انتخابات 2021 إلى 66 مقعداً اليوم.
بعبارة أخرى، قد تعود الطاولة نفسها تقريباً، لكن الكرسي الموجود في رأسها سيتغير.
وزاد هذا الاحتمال حضوراً بعدما أعلنت المنصوري، عقب ظهور النتائج، أن حزب الأصالة والمعاصرة لا يضع «خطوطاً حمراء» أمام مفاوضات تشكيل الأغلبية، مؤكدة استعداد الحزب للجلوس مع مختلف القوى السياسية.
من هنا لا يتعلق السؤال فقط بمن سيدخل الحكومة المقبلة، بل بما سيحدث للانتقادات السياسية التي تبادلتها مكونات الأغلبية السابقة عندما تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة وتوزيع قطاعاتها.
فالأحزاب الثلاثة لم تدخل انتخابات 23 شتنبر باعتبارها جبهة سياسية واحدة تطلب من الناخب تجديد الثقة في حصيلة جماعية لخمس سنوات.
على العكس، شهدت الحملة تنافساً واضحاً بينها حول المسؤولية عن عدد من الاختلالات، وحول الحزب الذي يقدم العرض الأنسب للمرحلة المقبلة.
النتائج، مع ذلك، وضعتها مجدداً أمام بعضها البعض.
حزب الأصالة والمعاصرة يحتاج إلى شركاء لتجاوز عتبة 198 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار لا يزال يمتلك كتلة برلمانية من 66 نائباً، فيما يمنح حزب الاستقلال بمقاعده الـ65 أي تحالف يجمع الأحزاب الثلاثة أغلبية مريحة من 228 مقعداً.
لكن الحساب البرلماني ليس وحده الموجود على الطاولة.
إعادة تشكيل الثلاثي نفسه ستضع كل حزب أمام سؤال سياسي يتعلق بالمسافة بين خطابه أمام الناخب أثناء الحملة وخياراته بعد ظهور النتائج.
بالنسبة إلى الأصالة والمعاصرة، تبدو المعادلة دقيقة. الحزب وصل إلى المرتبة الأولى بعدما قدم خلال الحملة خطاباً نقدياً تجاه جوانب من التدبير الحكومي الذي كان هو نفسه شريكاً فيه، وأصبح اليوم مطالباً بتشكيل حكومة قد تضم الحزب الذي كان يقود تلك التجربة.
أما التجمع الوطني للأحرار، فقد تغير موقعه داخل الخريطة البرلمانية.
الحزب الذي قاد الحكومة بعد فوزه بـ102 مقعد في انتخابات 2021، أصبح اليوم ممثلاً بـ66 مقعداً، أمام احتمال العودة إلى السلطة من موقع مختلف، وتحت رئاسة شخصية سياسية قادت الحزب الذي نافسه على المرتبة الأولى.
الاستقلال بدوره يحتفظ بموقع مركزي في المعادلة، وجوده إلى جانب البام والأحرار يرفع مجموع الثلاثي إلى 228 مقعداً، بينما غيابه يفرض البحث عن تركيبة برلمانية مختلفة.
لا توجد غرابة دستورية أو مؤسساتية في تحالف أحزاب تنافست انتخابياً.
ففي غياب أغلبية مطلقة لحزب واحد، تصبح المفاوضات والتحالفات جزءاً طبيعياً من عملية تشكيل الحكومة.
لكن خصوصية الحالة الحالية تكمن في أن الحديث لا يدور عن أحزاب كانت موزعة بين حكومة ومعارضة، بل عن ثلاثة أحزاب أدارت الولاية السابقة معاً، ثم دخلت الحملة في منافسة حول الحصيلة والمسؤوليات، قبل أن تعيدها الأرقام إلى احتمال التحالف مجدداً.
إلى حدود الثلاثاء 29 شتنبر، المؤكد رسمياً هو تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، وحاجة حزبها إلى شركاء لتوفير أغلبية برلمانية.
أما عودة تحالف الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال بصيغته الجديدة، فلم تصبح بعد اتفاقاً حكومياً معلناً.
لكن مجرد عودة هذا السيناريو بهذه السرعة يضع خطاب الحملة أمام أول اختبار بعد الانتخابات: إذا انتهت المواجهة التي تابعها الناخب بعودة الأحزاب نفسها إلى الطاولة نفسها، فأين تنتهي الخلافات التي قُدمت باعتبارها خلافات في السياسات والاختيارات، وأين تبدأ ضرورات الحساب البرلماني بعد إغلاق الصناديق؟
