رفع عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، سقف خطابه أمام أعضاء حزبه، واضعاً أمامهم تصوراً للمرحلة المقبلة يجمع بين الاستمرار في المعارضة، والتشدد في مواجهة ما يعتبره فساداً في الشأن العام، والتمسك بالمرجعية الإسلامية، والتأكيد على موقع الملكية في استقرار المغرب ووحدته.
بنكيران قال إن العدالة والتنمية، بالنسبة إليه، ليس حزباً هدفه مجرد الحصول على نصيب من المناصب السياسية، مضيفاً: «العدالة والتنمية، خلافاً لما يظن الناس، ماشي حزب من الأحزاب بغى يدي حقو مع الأحزاب السياسية».
وتابع موضحاً: «إذا كنا جينا غير باش نديو مقعد أو مقعدين، أو منصب وزاري أو منصبين، أو نترأس حكومة أو حكومتين، أنا شخصياً هذا الشيء ليس هو هدفي، ولا يمكن أن يكون هدفي، ولا يمكن أن يكون هدفكم».
واعتبر بنكيران أن القضية، بالنسبة إليه، أكبر من المواقع الانتخابية والحكومية، قائلاً إن الأمر يتعلق بـ«الدولة ديالنا، الأمة ديالنا، الأمة المغربية، ثم الأمة العربية والإسلامية».
وفي رسالة مباشرة إلى أعضاء حزبه، دعاهم بنكيران إلى أن يكون سلوكهم الشخصي جزءاً من صورة العدالة والتنمية داخل المجتمع، وقال: «أنا ما تنفهمش عضو في العدالة والتنمية يكذب، ما تنفهمش عضو في العدالة والتنمية يستعمل الرشوة، ما تنفهمش عضو العدالة والتنمية يعمل شي حاجة طايحة ولا شي حاجة ناقصة».
وأضاف أن أعضاء حزبه مطالبون بأن يصبحوا، بحسب تعبيره، «علامات» داخل المجتمع، رابطاً ذلك بالنزاهة والاستقامة ورفض الرشوة والمحسوبية والاختلالات في مباريات التوظيف وفي تدبير الشأن العام.
وقال في هذا السياق إن الشاب عندما يسمع أن شخصاً نجح أو توظف أو تحسنت أوضاعه بسبب علاقة داخل الإدارة أو بسبب الرشوة، فإن «الميزان كيتخربق في العقول ديال الشباب».
ودعا بنكيران كذلك أعضاء حزبه إلى التحلي بالشجاعة وعدم السكوت عما يعتبرونه منكراً في الشأن العام، قائلاً: «ملي نشوفو شي حاجة ماشي هي هاديك، اللي يقدر يساهم بشي حاجة يساهم بها».
وانتقل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية بعد ذلك إلى الحديث عن موقع حزبه في المرحلة المقبلة، ليعلن أن مرحلة البحث عن صيغة أخرى في التعامل السياسي انتهت، وأن الحزب اختار المعارضة.
وقال: «المرحلة اللي كنا كنقلبو فيها على نلقاو حل وكنساهمو انتهت هاد المرحلة»، مضيفاً: «اليوم حنا وقفنا موقف ديال المعارضة لأن ما عندناش خيار آخر».
ثم وجه هجوماً شديداً إلى حزب الأصالة والمعاصرة قائلاً: «هذو ناس ما شفنا منهم، والعياذ بالله، إلا السوء».
وذهب أبعد من ذلك حين ربط كلامه بما جرى خلال الانتخابات في مدينة طنجة، وقال: «آخر شيء ما وقع لهم في هذه الانتخابات في مدينة طنجة مما فضحهم أنهم حزب فاسد يستعمل الفاسدين ويستعمل الفساد».
وتظل هذه اتهامات وتوصيفات سياسية صادرة عن بنكيران نفسه، كما وردت في كلمته، وليست حكماً قضائياً على الحزب أو أعضائه.
وفي المقابل، شدد بنكيران على أن معارضته السياسية لا تعني الدخول في مواجهة مع الدولة أو المؤسسة الملكية.
وقال: «حنا ما عمرنا غادي نصطدمو بالدولة ديالنا، وما عمرنا غادي نصطدمو بالملكية ديالنا، وما عمرنا غنصطدمو بالملك ديالنا».
وأضاف أن حزبه يعتبر الملك، بحسب تعبيره، «بعد الله سبحانه وتعالى هو الضامن للاستقرار»، كما وصفه بأنه «الرمز ديال البلاد».
وعاد بنكيران إلى الموضوع نفسه في جزء آخر من كلمته، مستحضراً تطور نظرته إلى الملكية، وقال إن حزبه وصل إلى قناعة بأنها ليست مجرد شكل للحكم.
وقال: «ماشي فقط حنا ولينا ملكيين أو كنامنو بإمارة المؤمنين، لا، حنا مقتنعين باللي هذا الشي شرط أساسي في بقاء المغرب ودوام المغرب ووحدة المغرب».
ثم أطلق واحدة من أكثر عباراته وضوحاً خلال الكلمة: «إلا لقيتيو الملكية غتلقاو المغرب، ما لقيتيوش الملكية الله أعلم أش غتلقاو».
وأضاف، في تقدير شخصي لما يمكن أن يعنيه غياب المؤسسة الملكية بالنسبة إلى المغرب: «ما عرفت واش غيكون المغرب ولا الفتنة ولا الحرب الأهلية».
واستحضر بنكيران أيضاً الفترة التي قضاها رئيساً للحكومة وعلاقته بالملك محمد السادس، قائلاً: «أنا عاشرتو خمس سنوات، وكان بيني وبينه علاقات ودية جداً»، قبل أن يضيف أن الملك كان يقول له، بحسب روايته: «السي بنكيران، أنا كنثيق فيك ماشي 100 في المائة، 1000 في المائة».
وختم هذا الجزء من كلمته بالدعاء للملك محمد السادس قائلاً: «نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافي جلالة الملك من كل مكروه، وأن يحفظه لبلده ويحفظه لشعبه به، ويبارك في عمره ويرزقه التوفيق ويرزقه النصر».
المرجعية الإسلامية حضرت بدورها بشكل مباشر في خطاب بنكيران، خصوصاً عندما انتقد موقفاً تحدث عن استعمال الدين في الحملة الانتخابية.
وقال: «إلى كانت تريد أن ما يذكرش الدين في الحملة الانتخابية، خصنا نغيرو هاد الدولة هادي كلها»، مضيفاً: «خصكم تبدلو هاد الدستور وتردوها علمانية».
ثم قال: «حنا ما غنخليوكمش تردوها علمانية. هذه دولة إسلامية وستبقى إسلامية».
وأضاف: «حنا غنبقاو مسلمين، الحمد لله رب العالمين»، موضحاً أن ذلك لا يعني، بحسب كلامه، أن الجميع سيكونون «بحال الصحابة»، وإنما التشبث بالإسلام وتطبيق ما يستطيعون منه.
القضية الفلسطينية أخذت بدورها حيزاً مهماً من الكلمة، إذ قال بنكيران إن «القضية الفلسطينية ليست قضية أجنبية»، واعتبر ما يقع في فلسطين «ظلماً» لا يمكن للإنسان أن يقبله.
ووجه حديثه مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قائلاً: «السي ترامب، هاد المساندة ديالك لإسرائيل لا محدودة، ما عندهاش منطق، وغتكون عندها نتائج سلبية على دولتك وعلى شعبك».
كما وجه كلاماً إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مستحضراً ارتباط فرنسا بتاريخ حقوق الإنسان، قبل أن يقول عن استمرار دعم إسرائيل: «عيب وعار تبقى كتساند إسرائيل إلى الآن».
وفي المقابل، أشاد بمواقف جنوب إفريقيا وإسبانيا تجاه القضية الفلسطينية، وقال عن إسبانيا: «عندنا معها مشكل حنايا، ولكن هذا شيء، ومساندتها للقضية الفلسطينية ومؤازرتها لها كل الشرف بذلك».
أما المفاجأة التنظيمية الأبرز في كلمته فجاءت عندما تحدث عن مستقبله الشخصي بعد الانتخابات.
وقال إنه كان يفكر في الابتعاد لمدة طويلة: «أنا بصراحة كنت عاقد بعد هاد الانتخابات نشد واحد الكونجي مطول حتى نلقى الله».
لكنه استدرك مباشرة قائلاً: «ولكن مع الأسف الشديد بان لي باللي ما يمكنش».
ثم أعلن أمام أعضاء حزبه: «أنا مضطر أن أستمر معكم إلى أن يشاء الله، بسلبياتي وإيجابياتي بطبيعة الحال».
كلمة بنكيران رسمت بذلك، من خلال عباراته ومواقفه المعلنة، ملامح المرحلة التي يريدها لحزبه: معارضة سياسية صريحة، مواجهة ما يعتبره فساداً في الشأن العام، تشديد داخلي على الاستقامة والنزاهة، دفاع عن المرجعية الإسلامية، وتمسك قوي بالملكية باعتبارها، وفق تعبيره، «شرطاً أساسياً في بقاء المغرب ودوام المغرب ووحدة المغرب».
