بقلم: الباز عبدالإله
لم تنتظر فاطمة الزهراء المنصوري تشكيل حكومتها الجديدة حتى تجد أمامها واحداً من أثقل ملفات المرحلة المقبلة: كيف يواصل المغرب سباقه الاستثماري الكبير نحو 2030، في وقت خرجت فيه انتخابات 23 شتنبر بمعطى سياسي يصعب تجاهله، بعدما توقفت نسبة المشاركة عند 38.08 في المائة.
الأرقام الرسمية التي أعلنتها وزارة الداخلية تقول إن ما يقارب 6 ملايين ناخبة وناخب شاركوا في الاقتراع، مقابل نسبة مشاركة بلغت 50.86 في المائة سنة 2021، فيما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، قبل أن يعين الملك محمد السادس، يوم أمس الثلاثاء 29 شتنبر، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة ويكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
لكن خلف حسابات التحالفات والمقاعد يوجد رهان استثماري ضخم بدأ قبل الحكومة الجديدة وسيستمر معها حتى نهاية العقد.
صندوق النقد الدولي يضع الرقم عند 190.3 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى 2030، أي أكثر من 19 ألف مليار سنتيم، بما يعادل 11.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي للمغرب لسنة 2024، ضمن برنامج لتسريع استثمارات الربط والبنية التحتية السياحية يتزامن استكماله مع موعد كأس العالم 2030.
والرقم لا يمثل «فاتورة المونديال» وحده، بل يشمل شبكة أوسع من المشاريع.
فالسكك الحديدية تستحوذ، وفق حسابات الصندوق، على ما يعادل 6 في المائة من الناتج الداخلي، والمطارات 2.4 في المائة، والملاعب 2.2 في المائة، والطرق 0.9 في المائة، إضافة إلى التهيئة الحضرية والسياحية بنحو 0.5 في المائة.
وتوضح وثائق الصندوق أن مونديال 2030 يمثل موعداً بارزاً ساهم في تسريع الجدولة الزمنية لهذه المشاريع، وليس السبب الوحيد وراء إنجازها، إذ ترتبط أيضاً بالنقل والربط الترابي والسياحة ورفع إنتاجية الاقتصاد.
ويتحمل تنفيذ الجزء الأكبر من البرنامج عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية، إلى جانب الجماعات الترابية والحكومة المركزية، مع الاعتماد على مزيج من القروض الداخلية والتمويل الخارجي والسندات والموارد الذاتية.
هنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في الملف.
فالنموذج الذي أعده صندوق النقد لا يعتبر هذه الاستثمارات عبئاً بلا مردودية، بل يرى أنها قادرة على رفع الإنتاجية والناتج الحقيقي للمغرب على المدى الطويل، لكنه يضع شرطاً أساسياً أمام تحقيق هذه المكاسب: كفاءة الاستثمار وضبط الكلفة.
وتشير محاكاة الصندوق إلى أن تحسين كفاءة الاستثمار يمكن أن يرفع النمو دون زيادة الدين، بينما تؤدي تجاوزات الكلفة إلى تدهور دينامية المديونية من دون تحقيق مكاسب إضافية في الإنتاج، مع آثار أخرى مرتبطة بارتفاع الواردات ومزاحمة جزء من الاستثمار الخاص.
بهذه الأرقام، لم يعد النقاش محصوراً في بناء الملاعب أو تنظيم بطولة عالمية، بل يمتد إلى قدرة السياسات العمومية على تحويل موجة استثمارية بهذا الحجم إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية أوسع، تشمل التشغيل والخدمات والرأسمال البشري.
هذا النقاش المغربي وصل، الثلاثاء 29 شتنبر، إلى افتتاحية صحيفة «الغارديان» البريطانية، التي ربطت انخفاض المشاركة الانتخابية بما تعتبره أزمة ثقة لدى جزء من الشباب، واستحضرت الاحتجاجات التي رفعت مطالب مرتبطة بالصحة والتعليم، معتبرة، في موقف تحريري خاص بالصحيفة، أن استضافة كأس العالم لن تكون وحدها جواباً كافياً على حالة الإحباط التي ترصدها وسط جزء من الجيل الشاب.
كما اعتبرت الصحيفة أن فوائد جزء من الإنفاق المرتبط بالتحضير لـ2030 قد تتركز بصورة أكبر في المدن الكبرى وفئات مستفيدة من دورة الاستثمار، وهو تقييم سياسي خاص بهيئة تحرير «الغارديان»، وليس خلاصة صادرة عن صندوق النقد الدولي.
وثائق الصندوق، في المقابل، تركز على معادلة مختلفة: الاستثمارات في البنية التحتية يمكن أن تحقق مكاسب حقيقية في الإنتاجية والنمو، لكن حجم هذه المكاسب سيعتمد على جودة اختيار المشاريع، وكلفة إنجازها، وطريقة تمويلها، ومدى السيطرة على مخاطر تجاوز الميزانيات.
وهكذا تدخل الحكومة التي ستشكلها المنصوري مرحلة يجتمع فيها رقمان ثقيلان: 38.08 في المائة كنسبة مشاركة في الانتخابات التي تصدرها حزبها، و190.3 مليار درهم، أي أكثر من 19 ألف مليار سنتيم، كبرنامج استثماري يتجه نحو أفق 2030.
بين الرقمين يوجد امتحان مزدوج أمام المرحلة الحكومية المقبلة: إدارة أوراش استثمارية واسعة النطاق، بالتوازي مع ملفات الصحة والتعليم والتشغيل والخدمات التي ظلت في قلب النقاش الاجتماعي.
