بقلم: الباز عبدالإله
لم تمضِ سوى أيام قليلة على انتهاء الحملة الانتخابية حتى وضع هشام المهاجري، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، مساء الثلاثاء 29 شتنبر 2026، واحداً من أكثر أسئلة مرحلة ما بعد الاقتراع حساسية على الطاولة: ماذا سيبقى فعلياً من الوعود التي قدمتها الأحزاب للناخبين عندما تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة؟
المهاجري، الذي حل ضيفاً على برنامج «نقطة إلى السطر» بالقناة الأولى، رسم بوضوح فاصلاً بين البرنامج الذي يخوض به الحزب الانتخابات والبرنامج الذي ستلتزم به الحكومة أمام البرلمان، موضحاً أن الانتقال إلى الأغلبية المقبلة يعني دخول الالتزامات الانتخابية نفسها إلى طاولة التوافقات بين الأحزاب التي ستشارك في التحالف.
وفي معرض جوابه عن مدى التزام حزب الأصالة والمعاصرة بما قدمه خلال الحملة، قال المهاجري: «برنامج انتخابي في الشكل، وبرنامج حكومي في الشكل اللي غادي يدار عليه التوافقات»، في إشارة إلى أن الوثيقة الحكومية النهائية لن تكون بالضرورة نقلاً حرفياً لبرنامج الحزب المتصدر، وإنما حصيلة مفاوضات واتفاق بين مكونات الأغلبية المقبلة.
التصريح يكتسب ثقله من توقيته، لأن الحملة الانتخابية انتهت لتوها بعد سباق قدمت خلاله الأحزاب وعوداً مباشرة للناخبين في ملفات الأجور والضرائب والقدرة الشرائية والتشغيل والدعم والحماية الاجتماعية، بينما تبدأ اليوم مرحلة مختلفة يصبح فيها تحويل هذه الالتزامات إلى قرارات حكومية رهيناً بما ستقبله الأطراف التي ستجلس حول طاولة تشكيل الأغلبية.
المهاجري كشف، في هذا السياق، أن حزب الأصالة والمعاصرة درس برامج الأحزاب الأخرى، مقدراً وجود تقاطع يصل إلى نحو 70 في المائة حول عدد من الأولويات، وفي مقدمتها القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم، وهي الأرضية التي يرى أنها يمكن أن تسمح ببناء برنامج مشترك.
لكن هذا التقاطع يعني، في المقابل، أن التفاصيل التي صنعت الفارق بين الأحزاب خلال الحملة ستصبح بدورها موضوعاً للتفاوض، وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤال مصير الوعود التي عُرضت على الناخبين باعتبارها جزءاً من العرض الانتخابي لكل حزب.
فبين البرنامج الذي قدمه «البام» للناخبين والبرنامج الذي ستعرضه الحكومة المقبلة أمام البرلمان توجد الآن محطة حاسمة اسمها التفاوض السياسي، وهي التي ستكشف أي الالتزامات سيحافظ على صيغته الأصلية، وأيها قد يخضع للتعديل أو لإعادة ترتيب الأولويات داخل الاتفاق الحكومي النهائي.
المهاجري تمسك، في المقابل، بأهمية عدد من الإجراءات التي حملها البرنامج الانتخابي لحزبه، خصوصاً المرتبطة بالقدرة الشرائية والضريبة على الدخل وإعادة النظر في بعض آليات الدعم والحماية الاجتماعية، لكنه ربط الصيغة الحكومية النهائية بما ستنتهي إليه التوافقات مع الأحزاب المرشحة للمشاركة في الأغلبية.
وأوضح أن المسار سيمر أولاً من المشاورات السياسية والاتفاق على البرنامج وهيكلة الحكومة، قبل الوصول إلى توزيع القطاعات واختيار الأسماء، على أن يعرض البرنامج الحكومي في النهاية أمام مجلس النواب لنيل التنصيب البرلماني.
وبذلك ينتقل النقاش، بعد إغلاق صناديق الاقتراع، من سؤال «ماذا وعدت الأحزاب؟» إلى سؤال أكثر حساسية: «ماذا سيبقى من تلك الوعود بعد التحالف؟».
الجواب لن تحسمه تصريحات الحملة، بل الوثيقة الحكومية التي ستوضع أمام البرلمان، لأنها ستكون المرجع الفعلي لقياس المسافة بين ما تعهدت به الأحزاب منفردة أمام الناخبين وما ستقبل الالتزام به جماعياً بعد دخولها مفاوضات تشكيل الحكومة.
